ضحايا «الاعتداء» بين ألم الحادثة ونظرة المجتمع !
في كثير من الأحيان يكون الألم النفسي أكبر بكثير من الألم الجسدي، خاصة إذا كان هذا الأمر ناتجًا عن حصول «اعتداء أخلاقي»، فكثير من الضحايا يواجهون ألمًا خانقًا لا يستطيعون خلع عباءته الملطخة بالخوف وانشطار الروح، فكل التفاصيل الماضية حاضرة أمام أعينهم، وتفاصيل الجريمة النكراء التي تعرضوا لها تطاردهم في كل أوقاتهم، ويتمنون أنهم لم يُخلقوا على هذه الأرض لمواجهة هذا المصير.
يقول المهاتما غاندي: «إن أية جريمة أو إصابة، بغض النظر عن القضية، ارتُكبت أو سُببت لشخص آخر، هي جريمة ضد الإنسانية».
الجريمة في نظري هي التخلي الشخصي عن أي اعتبارات إنسانية أو القوانين الطبيعية التي تحفظ حقوق البشر في الحياة بسلام وأمان، وما الجريمة إلا واحدة من التعديات التي لا تُغتفر، فمهما كانت الدوافع والغرائز البهيمية التي تحرك الأشخاص نحو ارتكاب جرائمهم، فإنها مطلقًا غير مبررة أو مقنعة، فما بين الجاني والضحية يقف القانون حاميًا لحرمة الروح والجسد، وحافظًا لحقوق البشر.
ومن المؤسف أن بعض «ضحايا الاعتداءات الجسدية» لا يعيشون طويلًا في الحياة، لأنهم يعانون الكثير من مشاعر الألم والعذاب النفسي، ويحملون أنفسهم ذنبًا ليس ذنبهم، خاصة عندما لا يكون هناك أي دعم خارجي يساندهم في محنتهم.
وقد سجلت الكثير من قضايا الاعتداءات فقدان أحد أطرافها، وهم «الضحايا»، فقد أقدم عدد منهم على إنهاء حياتهم لأنهم لم يجدوا الدعم الكامل، سواء من عائلاتهم أو المجتمع الذي يعيشون فيه، فوجدوا في الموت خلاصًا من «الهموم» بعد أن باءت محاولاتهم بالفشل في الصمود، وخارت قواهم في القدرة على تحمل الآثار النفسية التي تعرضوا لها، سواء ساعة الاعتداء أو في المراحل الأخرى التي تلت الحادثة المؤلمة.
للأسف، الكثير من الناس لا يهتمون بـ«الضحايا»، بل يحملونهم جرمًا ليس جرمهم، ويضاعفون من عذابهم، ويدفعونهم إلى عدم القدرة على مواصلة مشوار الحياة مرة أخرى.
والسؤال: لماذا لا يكون هناك دعم معنوي ونفسي لمثل هؤلاء الضحايا، سواء كان هذا الدعم مؤسسيًا أو مجتمعيًا؟
القانون يأخذ مجراه، لكن الفضيحة ونظرة المجتمع للضحايا تظل مثل السكين التي تقطع كل شيء يعترض طريقها، فالفضيحة والعار هما الشبحان اللذان يطاردان الضحايا لسنوات طويلة، وكأن ما حدث لهم شيئًا لا يمكن تحمله. وربما تظل ظاهرة التعدي على الأطفال وما يلحقها من آثار سيئة راسخة في مخيلة الطفل، وتهدد مسار حياته، وتُعد من القضايا التي يجب التركيز عليها مجتمعيًا ومؤسسيًا. فبعض الجناة يتنصلون من مسؤولية أفعالهم الدنيئة، لكن يد القانون قوية عليهم، إلا أن بعض الجناة، للأسف، يهربون من العقاب لأن بعض الضحايا لا يقومون بالإبلاغ عن الانتهاكات التي تعرضوا لها، وهنا تكمن المشكلة الكبرى!
ردود أفعال بعض أسر ضحايا الاعتداءات الجسدية في البداية تكون مصممة على الثأر من الجاني، لكن مع رزانة العقل يدعون العدالة تأخذ مجراها. وحتى هذه اللحظة، هناك مطالبات مجتمعية بتغليظ العقوبة على المعتدين على الآخرين، وخاصة الأطفال، بحيث تكون العقوبة مشددة ورادعة وحاسمة، إضافة إلى أهمية عقد الندوات والمؤتمرات التي تشرح تفاصيل الجوانب النفسية والضغوط التي يتعرض لها الضحايا نتيجة هذا الاعتداء الصريح عليهم.
كما أن هناك مطالبات أخرى تدعو رجال القانون إلى شرح طرق الإبلاغ عن قضايا الشرف والانتهاكات الجسدية التي يمكن أن يتعرض لها الضعفاء، وخاصة «الأطفال والنساء»، وشرح الطرق القانونية التي يجب أن يتم اتخاذها واتباعها حتى يضمن الضحية فرص حصوله على حقه، وعدم هروب الجاني من العقاب.
