العيد.. تعريف شامل لمعنى السعادة
كلما تأتي على مخيلتي أبيات الشعر في قصيدة المتنبي: "عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. بما مضى أم بأمرٍ فيكَ تجديدُ"، التي نظمها قبل حلول عيد الأضحى قبل مئات السنين تعبيرًا عن حزنه العميق، وانتظاره أن يحمل له العيد أخبارًا سارة، ولقاء الأحبة بعد فراق قد طال، أشعر بأن التاريخ يعيد نفسه من جديد!
فمثل مطلع هذه القصيدة كثيرًا ما يرددها بعض المستضعفين في الأرض، وأيضًا دفعت البعض منهم إلى كتابتها على جدران الحواري والأزقة والبيوت المهدمة، كما هو الحال في غزة التي دومًا ما يقترن العيد فيها بالحزن والمعاناة والألم التي لا تنتهي.
إذا كان العيد في قاموسنا الإسلامي هو رمز الفرح والبهجة، فكيف يأتي هذا الحدث محملًا بعبق الدموع ورائحة البارود!
ربما هذا الاضطراب في المشاعر ناتج عن الصراع الإنساني المستمر ما بين الأمل واليأس، والحياة والموت، وربما هو أيضًا تحدٍّ للظروف القاسية التي يفرضها الواقع، وإصرار على التمسك بالفرح رغم الألم في محاولة "مستميتة" لترميم الروح الممزقة، وإحياء الأمل في غد أفضل.
يأخذني التفكير نحو الواقع الذي يعيشه العالم هذه الفترة بالذات، وما يشهده من تطورات متلاحقة، وعواصف هوجاء تهز أركان الشعوب، وتوقظ في أعماق الحروب الضروس كل نظريات المؤامرة، وتنبئ بقحط في الموارد والثروات، فأشعر بتوجس إنساني وقلق نفسي إذا ما استمر الحال على ما هو عليه.
عندما تدق أجراس الحروب تغيب عن الشوارع والبيوت والحياة بأكملها كل ملامح البهجة والفرحة، وتختفي فرحة المحتفلين بقدوم العيد، فلا حبال الزينة تعلق ولا الإضاءة الملونة تبهج الناس، بل يحل مكانها الركام والدمار في كل الشوارع والأحياء والأزقة، وتصبح البيوت مثل القلوب محروقة بوجع الفقد والهلع والموت.
في هذا العيد، ورغم كل الأحداث الجارية والأوجاع المتلاحقة، نجد أن ثمة قلوبًا بشرية محبة للسلام والتعايش تنشد الأمان، لأن أبوابها مفتوحة على تقبل الواقع.
العيد يأتي ليبعث لنا برسائل كثيرة علينا قراءتها جيدًا واستخراج العبر مما تحت الخط الرفيع، لأن ديمومة الحياة تظل ناقصة بالنسبة للجنس البشري، فالأجيال تسلم بعضها البعض، والصراعات ما بين البشر ستظل قائمة إلى يوم البعث.
علينا أن نسأل أنفسنا: كيف يمكن للعيد أن يحافظ على معانيه في زمن الموت والدمار؟ وكيف يمكن للمسلمين أن يمارسوا شعائر الفرح في ظل هذه المعاناة الإنسانية؟ من المؤكد أن للعيد وجهًا آخر في ظل المأساة والوجع!
إذا كان العالم يعيش أوقاته الصعبة وعلى صفيح ساخن على إيقاع قرع طبول الحرب التي تخبو قليلًا ثم تعود للظهور ثانية، فأي عيد هذا الذي سيعيشه الناس وهم يرون الموت كل لحظة، فيما تنزح العائلات من بيوتها وشوارعها لتسكن الخيام ومراكز الإيواء بلا مقومات للحياة، وبلا طعام ولا شراب، والمرض ينتشر بين أطفالها بسبب سوء التغذية؟ إذن العيد يعني أن يتخلى العالم عن أنانيته وتتسع محبته للجميع، وتعود البسمة للأطفال.. فبأي حال عدت يا عيد!
ولكن هناك دومًا أمل آخر يولد من رحم الغيب، يحدثنا عن إيمان عميق بالله، وأن تكبيرات العيد ستظل تعلو فوق كل الأصوات التي تدعو إلى إبادة الفرح، فالإيمان يتجدد في النفوس "أن بعد العسر يسر"، وأن الأمل سيظل يضيء دروب المنتظرين على أبواب الفرج مهما اشتدت الظلمات، ولا تزال الأذرع مفتوحة لمعانقة العيش بسلام.
العيدُ في نظر الكاتبة الفلسطينية وفاء داري "ليس انفصالًا عن الحياة أو الألم، بل هو إعادة لتعريف صادق لمعنى الفرح"؛ فرح لا ينسى الجراح، لكنه يرفض أن تستعبده. وكما قال محمود درويش: "سنحتفلُ لأننا أحياءٌ... ولأن أعداءنا يخافون من ذكرياتنا".
