المحافظات

مشروع قرية اليمن التطويري بإزكي.. من فكرة مجتمعية إلى وجهة سياحية متكاملة

30 يونيو 2026
70 % نسبة إنجاز المشروع السياحي التطويري
30 يونيو 2026

إزكي - يوسف بن سعيد المنذري 

«طريق الألف ميل يبدأ بخطوة»، ومن فكرة بسيطة انطلق مشروع أهالي قرية اليمن التطويري السياحي بولاية إزكي، ليتحول بفضل عزيمة أبناء القرية وشغفهم إلى تجربة تنموية رائدة تسهم في تعزيز الحراك السياحي والاقتصادي بالمجتمع المحلي. 

فقد بدأت المبادرة برؤية طموحة تهدف إلى إحياء المواقع والأماكن التي طالها الإهمال، وتحويل المساحات المعتمة إلى مواقع مضيئة تنبض بالحياة، وتأهيل الطرق والمسارات غير المستغلة لتصبح ممرات حيوية وآمنة، إلى جانب إعادة توظيف المحال والمرافق المهجورة لتستعيد دورها الاقتصادي والاجتماعي. كما ركز المشروع على تحسين المظهر العام للمعالم السياحية والأثرية بالقرية، بما يسهم في الحفاظ على هويتها التاريخية ويجعلها وجهةً مستدامةً للزوار والسياح. 

ومع كل خطوة من خطوات المشروع، التي سبقتها عشرات المعسكرات والبرامج التطوعية بمشاركة واسعة من أهالي القرية ومختلف فئات المجتمع، اتسعت دائرة الأثر، وتنامت الطموحات نحو تحقيق أهداف أكثر شمولًا. فقد تبنى فريق العمل رؤيةً متكاملةً شملت مختلف أرجاء القرية، مستندةً إلى خطة منهجية تجمع بين تجميل المواقع العامة واستثمار المقومات الطبيعية والتراثية، مع العمل على خلق فرص اقتصادية واستثمارية تعود بالنفع على المجتمع المحلي. 

وأثمرت هذه الجهود عن تحولات ملموسة جعلت من قرية اليمن إحدى الوجهات البارزة بمحافظة الداخلية، إذ أسهمت المشروعات التطويرية في تحسين المشهد العام للقرية واستقطاب السياح والزوار، إلى جانب احتضان الفعاليات والأنشطة المجتمعية والثقافية، ودعم أصحاب المواهب والمبادرات، وتهيئة فرص عمل ومشروعات صغيرة تسهم في تعزيز التنمية المحلية المستدامة. 

سكة حارتنا 

وأوضح حمزة بن سليمان البهلاني، أحد المختصين في المتابعة والتنسيق والإشراف على المشروع منذ انطلاقته، أن البدايات كانت متواضعة، حيث انطلقت الفكرة من تهيئة مساحة محدودة تمثلت في أحد الطرق الواقعة بين البيوت السكنية، من خلال طلاء الواجهات الخارجية للمنازل، وتركيب وحدات الإنارة، وإعادة إحياء عدد من المحال المهجورة التي ظلت مغلقة لفترات طويلة. 

وقال البهلاني: «ما إن بدأت ملامح التغيير تظهر على أرض الواقع حتى لمسنا تفاعلًا كبيرًا من الأهالي، الذين أبدوا رغبةً حقيقيةً في استمرار أعمال التطوير، الأمر الذي انعكس في صورة دعم مادي ومعنوي أسهم في تعزيز المشروع ودفعه إلى مراحل أكثر شمولًا». 

وأضاف أن هذا التفاعل المجتمعي قاد إلى تشكيل فريق عمل متخصص من أبناء القرية، يضم كوادر تمتلك خبرات في مجالات التصميم والتخطيط والهندسة الكهربائية ودراسة المواقع، إلى جانب الاطلاع على تجارب مماثلة في عدد من ولايات سلطنة عُمان للاستفادة من أفضل الممارسات. وأشار إلى أن الفريق اتخذ قرارًا بمواصلة المشروع رغم التحديات المرتبطة بالتكاليف والمتطلبات الفنية، مستندًا إلى روح التعاون والعطاء التي أظهرها أهالي القرية. 

وأكد أن المشروع يهدف إلى إبراز المقومات السياحية والتراثية التي تزخر بها قرية اليمن، وتحويلها إلى وجهة جاذبة للزوار والسياح، إلى جانب توفير متنفس مجتمعي لأهالي البلدة، خصوصًا في مجال ممارسة الرياضة والأنشطة الترفيهية في بيئة آمنة وجاذبة. 

إنارة بلمسات عصرية 

وحول جانب الإنارة والتجميل، أوضح البهلاني أن المشروع أولى اهتمامًا كبيرًا بإنارة الطرق والممرات وربط أجزاء القرية المختلفة بشبكة إنارة متكاملة، مشيرًا إلى أن عدد أعمدة الإنارة التي تم تركيبها حتى الآن بلغ نحو 600 عمود، موزعة على مختلف الممرات والمسارات، مع استمرار العمل لتغطية مواقع أخرى ما زالت بحاجة إلى خدمات الإنارة. 

وبيّن أن تنفيذ هذا الجانب تم وفق معايير فنية دقيقة، مع مراعاة الجوانب الجمالية والهندسية واختيار الزوايا المناسبة لتسليط الضوء على المعالم والمواقع التراثية، إلى جانب الالتزام الكامل باشتراطات السلامة أثناء التنفيذ. 

وأضاف أن الإنارة أسهمت بصورة واضحة في إضفاء أبعاد جمالية جديدة على الممرات الداخلية التي لا تستخدمها المركبات، وتحيط بها بساتين النخيل من الجانبين، الأمر الذي عزز من جاذبية المكان وسهولة التنقل فيه خلال الفترات المسائية. 

وأشار إلى أن القائمين على المشروع حرصوا على تحقيق التوازن بين الحداثة والطابع التراثي للقرية، حيث تم توظيف تقنيات إنارة حديثة تتناغم مع هوية المكان، إلى جانب استخدام القناديل التقليدية ذات الطابع التراثي على الجدران الطينية، بما يحافظ على أصالة المشهد العمراني ويمنح الزائر تجربة بصرية تجمع بين عبق الماضي وجمال الحاضر. 

طرق وممرات مؤهلة 

وحول حجم الأعمال المنجزة في البنية الأساسية للمشروع، أوضح حمزة بن سليمان البهلاني أن نسبة الإنجاز في الطرق والممرات بلغت نحو 70 بالمائة، ضمن شبكة مسارات تمتد لأكثر من 6.2 كيلومتر، شملت تهيئة وربط عدد من الطرق والممرات التي كان بعضها غير صالح للاستخدام في السابق. 

وقال البهلاني: «عملنا على تأهيل هذه المسارات وفق رؤية متكاملة تراعي سهولة الحركة والتنقل بين مختلف مرافق القرية، حيث شملت الأعمال رصف الأرضيات بالأسمنت، وتركيب أعمدة الإنارة، وتوفير مرافق ترفيهية وألعاب للأطفال، بما يسهم في إيجاد بيئة جاذبة وآمنة لجميع أفراد المجتمع». 

وأضاف أن تعاون الأهالي كان أحد أبرز عوامل نجاح المشروع، إذ أبدى العديد منهم تجاوبًا كبيرًا عند مخاطبتهم بشأن التوسعات المطلوبة، ووافقوا على تخصيص أجزاء من أراضيهم لخدمة المسارات الجديدة، الأمر الذي أسهم في تنفيذ المخطط بالشكل المأمول وتحقيق الترابط بين مختلف المواقع والمعالم. 

وأشار إلى أن الأهالي والزوار باتوا اليوم يلمسون الأثر الحقيقي للمشروع من خلال سهولة الوصول إلى المواقع السياحية والأثرية ومرافق الترفيه والرياضة، موضحًا أن من أبرز أهداف المشروع تطوير البنية الأساسية مع المحافظة على الهوية العمرانية التقليدية للقرية، بما يضمن توفير مسارات آمنة للمشاة وممارسي رياضة الدراجات الهوائية. 

وأكد أن المشروع لم يقتصر على الجوانب التجميلية والسياحية فحسب، بل واكب مختلف المناسبات الوطنية والاجتماعية والدينية، حيث احتضنت مرافقه العديد من الفعاليات والبرامج المجتمعية واحتفالات العيدين وسباقات الدراجات الهوائية، كما استقطب عددًا من الفرق التطوعية التي عرضت مبادراتها ومشروعاتها وخدماتها المجتمعية. 

ممشى ظلال النخيل.. 

وتحدث البهلاني عن «ممشى ظلال النخيل» الذي يعد من أبرز المشروعات المنفذة ضمن المبادرة، مؤكدًا أنه أصبح وجهة سياحية واقتصادية متكاملة تستقطب الزوار من داخل الولاية وخارجها. 

وأوضح أن تسمية الممشى جاءت من الطبيعة الساحرة التي يتمتع بها الموقع، حيث تمتد ظلال أشجار النخيل على طول المسار لتمنحه طابعًا فريدًا يجمع بين الراحة والجمال الطبيعي. وأضاف أن الممشى يضم عددًا من المقاهي المتخصصة في تقديم القهوة والشاي، إلى جانب جلسات خارجية جرى تصميمها بعناية لتنسجم مع البيئة المحيطة وما تزخر به من مسطحات خضراء وبساتين نخيل. 

وأشار إلى أن المشروع أسهم في إيجاد فرص استثمارية جديدة لأبناء القرية، لا سيما فئة الشباب، من خلال تمكينهم من تأسيس وإدارة مشروعاتهم الصغيرة، كما وفر منصةً داعمةً للأسر المنتجة لعرض وتسويق منتجاتها أمام الزوار، الأمر الذي عزز من الحراك الاقتصادي المحلي وأسهم في تنشيط السياحة البيئية وترسيخ مفهوم التنمية المجتمعية المستدامة. 

Image

بيت الفن 

ويحتضن مشروع «سكة حارتنا» ضمن مشروع بلدة اليمن السياحي «بيت الفن»، الذي أصبح أحد أبرز المزارات الثقافية والفنية في ولاية إزكي، لما يضمه من أعمال إبداعية تسهم في إثراء المشهد الثقافي والسياحي بالبلدة. 

ويشكل بيت الفن مساحةً تجمع بين الأصالة والحداثة، حيث يضم مجموعة من الأعمال الفنية الاحترافية التي يشرف عليها الفنان إسحاق بن يعقوب الدرمكي، وتعكس في مضمونها ملامح البيئة العُمانية وقيمها التراثية والثقافية، إلى جانب رؤى فنية معاصرة تربط بين الماضي والحاضر في قالب إبداعي مميز. 

وأوضح الفنان إسحاق الدرمكي أن فكرة إنشاء بيت الفن جاءت من منطلق تعزيز التنوع في عناصر الجذب السياحي والثقافي داخل المشروع، وإيجاد مساحة فنية تتيح للزائر تجربة مختلفة تتكامل مع الطابع التراثي للبلدة. وأضاف أن الأعمال المعروضة تستلهم مفرداتها من البيئة المحلية والذاكرة المجتمعية، وتسعى إلى تقديم محتوى فني يعزز الارتباط بالهوية ويجسد التحولات التي شهدها المجتمع عبر مختلف المراحل. 

وأشار إلى أن الإقبال المتزايد من السياح والزوار على بيت الفن شكل حافزًا لمواصلة العطاء والإبداع، حيث أصبح المعرض محطةً رئيسةً ضمن مسار الزيارة للبلدة، ومتنفسًا ثقافيًا يتيح للزوار الاطلاع على تجارب فنية متنوعة والتفاعل معها. 

وأكد أن بيت الفن أسهم في إضفاء بُعد ثقافي وحضاري على مشروع بلدة اليمن السياحي، ومنح المكان رونقًا استثنائيًا يجمع بين الجمال البصري والرسالة الثقافية، بما يعزز من مكانة البلدة كوجهة سياحية متكاملة تجمع بين التراث والطبيعة والفنون والإبداع.