مساجد مسندم التاريخية تقف شاهدة على إبداع الإنسان وعلى التواصل الحضاري في المنطقة
تقف المساجد القديمة في مختلف بقاع الأرض شواهدَ تاريخيةً راسخة تروي مسيرة الحضارة الإسلامية وتوثّق مراحل تطور الفكر والعمران عبر العصور، مجسدةً رحلة العمارة الإسلامية التي انتقلت من البساطة الأولى إلى آفاق واسعة من الإبداع والابتكار. ولم يكن المسجد عبر التاريخ مكانًا لأداء الشعائر الدينية فحسب، بل شكّل النواة التي انطلقت منها الحضارة الإسلامية؛ ففي رحابه أُديرت شؤون الدولة، ومن منابره تخرّج العلماء والفقهاء، وبين أروقته التقت القلوب وتوطدت أواصر المجتمع.
وتُعدّ العمارة الإسلامية واحدة من أبهى صور الإبداع الإنساني، حيث تتجلى روعتها في المساجد التاريخية التي ما زالت تحتفظ بجمالها وهيبتها رغم تعاقب القرون. فمن المآذن الشاهقة التي تعانق السماء، إلى القباب المهيبة التي تعكس دقة هندسية فريدة، وصولًا إلى الزخارف والنقوش البديعة التي تمزج بين الفن والروحانية، تظلّ هذه المساجد سجلاً حيًّا يختزن إرثًا حضاريًا وثقافيًا عظيمًا، ويعكس ما بلغته الأمة الإسلامية من رقي في مجالات البناء والفنون والعلوم.
نقطة تواصل بين الحضارات
التقت (عُمان) الباحث التاريخي بمحافظة مسندم عمر بن علي بن محمد الشحي، الذي أكد في مستهل حديثه أن الحديث عن المساجد القديمة هو حديث عن أصالة الماضي وجمال الحاضر وامتداد المستقبل، فهي بيوت عتيقة مرّت عليها مئات السنين وما زالت شامخة بين الناس، تحمل في أروقتها عبق التاريخ ونور الهداية، وتختزن صفحات مضيئة من ذاكرة المجتمع العُماني.
وأوضح الشحي أن الموقع الجغرافي المتميز لمحافظة مسندم في أقصى شمال سلطنة عُمان، عند مدخل الخليج العربي، أكسبها أهمية استراتيجية وحضارية كبيرة عبر العصور. فالمحافظة تمتد على طول شريط ساحلي يطل على بحر عُمان والخليج العربي، وتشرف على مضيق هرمز الذي يعد البوابة البحرية الرابطة بين الخليج العربي والبحار المفتوحة في بحر عُمان والمحيط الهندي، الأمر الذي جعلها على مر التاريخ نقطة تواصل وتفاعل بين منطقة الخليج والحضارات المطلة على شبه القارة الهندية وشرق إفريقيا.
وأشار إلى أن هذا الموقع أسهم في إثراء التراث المعماري والديني للمحافظة، ومن أبرز تجلياته المساجد الأثرية المنتشرة في ولاياتها المختلفة، والتي تعكس تاريخ الإسلام في المنطقة، وتجسد البساطة التي تميز العمارة الإسلامية في مسندم، مع ما شهدته من تأثيرات محلية وخارجية عبر فترات زمنية متعاقبة.
قيمة تاريخية وثقافية
وأضاف الشحي أن المساجد الأثرية تقف في قلب القرى وعلى سفوح الجبال وفي التجمعات السكانية القديمة، شاهدة على عراقة الحضارة الإسلامية في محافظة مسندم. ومن المآثر التي يفخر بها أهالي المحافظة سرعة استجابتهم للدعوة الإسلامية منذ بداياتها الأولى، إذ يورد المؤرخ الواقدي وهو يعد من أقدم المؤرخين في الإسلام، ومن أشهرهم، ومن حفاظ الحديث، أن وفد الأزد من دبا قدم إلى المدينة المنورة معلنًا إسلامه ومقرًّا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وبيّن أن محافظة مسندم تزخر بعدد كبير من المساجد الأثرية التي تحمل قيمة تاريخية وثقافية كبيرة، وتشكل في وجدان المجتمع المحلي رموزًا دينية ومعالم روحية راسخة.
ويعود تاريخ بعض هذه المساجد إلى فترات مبكرة تمتد من القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين وصولًا إلى القرن التاسع عشر الميلادي، ما يجعلها سجلاً حيًا لتاريخ المنطقة وتحولاتها الحضارية.
وأوضح أن هذه المساجد تتميز بطراز معماري تقليدي يعتمد على مواد البناء المحلية كالحجر والطين والأخشاب، ويعكس في تصميمه بساطة هندسية تتواءم مع طبيعة المحافظة الجبلية الساحلية، الأمر الذي منحها طابعًا فريدًا يجمع بين الوظيفة الدينية والقيمة التراثية والجمالية، لتظل شاهدًا على إبداع الإنسان العُماني وقدرته على توظيف البيئة المحلية في تشييد معالم عمرانية خالدة.
مسميات المساجد الأثرية
وأوضح الباحث التاريخي عمر بن علي الشحي أن أسماء المساجد الأثرية في محافظة مسندم تحمل دلالات تاريخية واجتماعية تعكس ارتباطها بالبيئة المحلية وسكانها، فلكل مسجد قصة تروي جانبًا من تاريخ المكان؛ فبعض المساجد سُمّيت نسبة إلى الأحياء أو المناطق التي تقع فيها، فيما ارتبطت أسماء أخرى بشخصيات دينية وعلمية عُرفت بالصلاح والعلم، أو بأشخاص تكفلوا ببنائها ورعايتها، بينما استمدت بعض المساجد أسماءها من معالم شهيرة مجاورة لها، كالأحياء والأسواق والحصون والقلاع التي شكّلت مراكز للحياة الاجتماعية والاقتصادية في الماضي.
ولاية بخاء
وأشار الباحث إلى أن ولاية بخاء تزخر بعدد من المساجد الأثرية التي تمثل جزءًا مهمًا من التراث المعماري والديني بالمحافظة، من أبرزها جامع بخاء الأثري الواقع بالقرب من حصن بخاء التاريخي، والذي يُعد أحد أبرز المعالم الإسلامية في الولاية. ويتميز الجامع بتصميم معماري فريد يجعله أقرب إلى هيئة المنازل التقليدية منه إلى المساجد المعروفة بطرازها المعماري المعتاد، إذ يخلو من القباب والمآذن البارزة، وهو أسلوب شائع في عدد من المساجد القديمة التي اعتمدت البساطة والانسجام مع البيئة المحيطة.
وأضاف أن تاريخ بناء الجامع يعود إلى عام 1203هـ الموافق 1789م، وقد شُيّد باستخدام الحجارة والطين، وخضع لعمليات ترميم متعددة للحفاظ على مكوناته التاريخية. كما تضم جدرانه كتابات وقصائد تاريخية يعود تاريخ تدوين بعضها إلى عام 1208هـ، الأمر الذي يضفي عليه قيمة ثقافية وأدبية إلى جانب قيمته الدينية. ورغم أن الوثائق المتوافرة تشير إلى تاريخ بنائه في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، فإن خبراء الآثار يقدّرون عمر الجامع بأكثر من أربعة قرون، ما يجعله من أقدم المساجد القائمة في المحافظة.
ومن المساجد الأثرية الأخرى في ولاية بخاء مسجد الجليل بمنطقة الجري، الذي يتميز بوجود قبة كبيرة تغطي كامل سقف المسجد، إضافة إلى مسجد الصبارة بمنطقة غمضاء، وكلاهما يمثل نماذج معمارية تعكس تنوع أنماط البناء التقليدي للمساجد في المحافظة.
ولاية خصب
وفي ولاية خصب، أشار الشحي إلى أن من أبرز المساجد التاريخية مسجد الشيخ العلامة محمد بن صالح المنتفقي في منطقة كمزار البحرية التابعة للولاية، ويُعد من المساجد القديمة ذات المكانة الدينية والتاريخية. وقد شيد المسجد الشيخ محمد بن صالح المنتفقي على رأس جبل السديفة في كمزار، بعد انتقاله إليها من دبا متأثرًا بوفاة أحد تلاميذه، ليصبح المسجد شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ الحركة العلمية والدينية في المنطقة.
وأضاف أن ولاية خصب تضم عددًا من المساجد الأثرية الأخرى التي ما زالت تحافظ على مكانتها التاريخية، من بينها جامع سكة السوق، والجامع الغربي، ومسجد الشيخ راشد، ومسجد الشيخ محسن، ومسجد الشيخ علي حسن، ومسجد الشيخ زيد، ومسجد الشيخ إبراهيم الكمالي، إضافة إلى مسجد القنايف الأثري بنيابة ليما، والتي تشكل مجتمعة سجلًا معماريًا وتاريخيًا يوثق مسيرة الإسلام والحياة الاجتماعية في محافظة مسندم عبر القرون.
ولاية مدحاء
وأشار الباحث التاريخي عمر بن علي الشحي إلى أن ولاية مدحاء، التي تتوسطها سلاسل جبلية شاهقة وتحيط بها مزارع النخيل والأفلاج التي تنساب بين أرجائها في مشهد يعكس براعة الإنسان العُماني في استثمار البيئة الطبيعية، تضم عددًا من المساجد الأثرية التي تمثل جزءًا أصيلًا من تاريخ الولاية وتراثها الديني. ومن أبرز هذه المساجد مسجد صهنا، ومسجد أولاد سليمان، وجامع الحارة، ومسجد أولاد سيف، ومسجد حجر بني حميد، وهي مساجد ارتبطت بتاريخ التجمعات السكانية القديمة وأسهمت عبر العقود في أداء رسالتها الدينية والاجتماعية والعلمية، لتبقى شاهدة على عمق الحضور الإسلامي في الولاية.
ولاية دبا
وفي ولاية دبا، المطلة على بحر عُمان، يبرز جامع السيبة التاريخي، المعروف أيضًا باسم «جامع البلاد»، كأحد أهم المعالم الدينية والأثرية في محافظة مسندم. ويقع الجامع بالقرب من حصن السيبة التاريخي، ويحمل بين جنباته صفحات من التاريخ والتراث المحلي لأهالي الولاية، إذ تشير الروايات المتوارثة إلى أن عمره يتجاوز ستة قرون، ما يجعله من أقدم المساجد في المحافظة.
وأوضح الشحي أن الجامع شهد على مر العصور عددًا من أعمال الصيانة والترميم للحفاظ على مكوناته المعمارية، فيما تروي روايات كبار السن أن صحن الجامع كان يضم ثماني أسطوانات ضخمة، إضافة إلى فناء واسع مكشوف كان يستخدم لأداء الصلاة واستيعاب أعداد كبيرة من المصلين. كما كان يجاور الجامع بئر ماء قديمة وبركة كبيرة، إلى جانب شجرة سدر معمرة اشتهرت في المنطقة قبل أن تندثر مع مرور الزمن، وهو ما يعكس المكانة التي حظي بها الجامع باعتباره مركزًا دينيًا واجتماعيًا لأهالي دبا.
وأضاف أن ولاية دبا تحتضن عددًا من المساجد الأثرية الأخرى ذات القيمة التاريخية، من بينها جامع الحاجر، وجامع السوق الذي شيده الشيخ صالح بن محمد الشحي، ومسجد حارة الغافة، ومسجد الديو، ومسجد الشيخ محمد بن صالح الشحي، ومسجد الشيخ حمدان بن أحمد آل مالك، ومسجد عليين، ومسجد صلم الأثري، ومسجد السوت، ومسجد عدس الأثري، ومسجد العقبة، وهي معالم دينية تسجل حضورًا تاريخيًا ممتدًا للحياة الإسلامية في الولاية.
الخصائص المعمارية
وأكد الشحي أن المساجد الأثرية في محافظة مسندم تتميز بمجموعة من الخصائص المعمارية التي تعكس طبيعة البيئة المحلية والظروف الجغرافية للمحافظة، حيث اعتمد البناؤون على مواد متوافرة في محيطهم الطبيعي مثل الحجارة الجبلية والطين والأخشاب المحلية، مما أكسب هذه المساجد طابعًا معماريًا متفردًا يجمع بين البساطة والوظيفية والمتانة.
وأضاف أن غالبية هذه المساجد اتسمت بصغر حجمها مقارنة بالمساجد الحديثة، وابتعدت عن المبالغة في الزخرفة أو العناصر المعمارية البارزة، إذ جاءت تصاميمها منسجمة مع طبيعة المجتمعات المحلية واحتياجاتها، فغابت القباب والمآذن العالية في كثير منها، وحلت محلها مبانٍ متواضعة تتناغم مع البيئة الجبلية والساحلية المحيطة.
وأشار إلى أن هذه المساجد لم تكن مجرد أماكن للعبادة فحسب، بل شكلت مراكز للتعليم وتلاوة القرآن الكريم ونشر العلوم الشرعية، وأسهمت في تعزيز الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع، وهو ما منحها قيمة حضارية تتجاوز بعدها المعماري لتصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية لأهالي محافظة مسندم ورمزًا من رموز هويتهم الثقافية والدينية المتجذرة عبر التاريخ.
الخصائص المعمارية للمساجد الأثرية
وأوضح الباحث التاريخي عمر بن علي الشحي أن المساجد الأثرية في محافظة مسندم تتميز بطابع معماري خاص يقوم على البساطة والعملية، وهي سمة تميز مساجد المحافظة عن كثير من المساجد الأثرية في مناطق أخرى من سلطنة عُمان. وقد فرضت طبيعة البيئة المحلية والمواد المتاحة أسلوبًا معماريًا متفردًا، إذ اعتمد الأهالي في تشييد المساجد على الحجارة المحلية وطوب اللبن والأخشاب المستخرجة من أشجار النخيل والسدر والسمر.
وأضاف أن أسقف هذه المساجد والجوامع جاءت في الغالب مسطحة، بينما غابت عنها الزخارف والنقوش الهندسية المعقدة التي اشتهرت بها بعض المدارس المعمارية الإسلامية الأخرى، حيث انصب الاهتمام على الوظيفة الأساسية للمسجد باعتباره مكانًا للعبادة والتعليم والتواصل الاجتماعي. ويشير الشحي إلى أن هذا النمط المعماري يتشابه إلى حد كبير مع العمارة التقليدية السائدة في المناطق الساحلية المطلة على الخليج العربي، الأمر الذي يعكس التأثير المتبادل بين المجتمعات الساحلية عبر القرون.
الدور التعليمي للمساجد قديمًا
وأكد الشحي أن من أبرز الأدوار التي اضطلعت بها المساجد قديمًا دورها التعليمي والتربوي، وهو الدور الذي ارتبط بالمسجد منذ فجر الإسلام، حين جعل الرسول صلى الله عليه وسلم المسجد مركزًا للعلم والتوجيه إلى جانب كونه مكانًا للعبادة. ومنذ ذلك الحين ظلت المساجد تؤدي رسالتها العلمية عبر مختلف العصور الإسلامية.
وأوضح أن المساجد في محافظة مسندم كانت تمثل المدرسة والجامعة بمفهومهما المعاصر، حيث احتضنت حلقات تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية واللغة العربية، وكان الأطفال والشباب يجتمعون فيها لتلقي العلم على أيدي العلماء والمطاوعة ومعلمي الكتاتيب. واستمر هذا الدور الحيوي لعقود طويلة، وظلت المساجد تشكل المصدر الرئيس للتعليم في المحافظة حتى ظهور المدارس النظامية في سبعينيات القرن الماضي، حيث أسهمت في إعداد أجيال متعاقبة من أبناء المجتمع وتعزيز قيم العلم والمعرفة بينهم.
الحفاظ على التاريخ والموروث
وفي ختام حديثه، أكد الباحث التاريخي عمر بن علي بن محمد الشحي أن المساجد الأثرية في محافظة مسندم، رغم محدودية عددها مقارنة ببعض المناطق الأخرى، تظل ثرية بما تختزنه من قصص تاريخية وقيم دينية واجتماعية وثقافية تعكس مسيرة المجتمع عبر القرون.
وأشار إلى أن عددًا من هذه المساجد ما زال بحاجة إلى المزيد من أعمال الترميم والعناية للحفاظ على مكوناته الأصلية، لافتًا إلى أن اللقاءات التي أجراها مع عدد من كبار السن في المحافظة كشفت عن اهتمام واسع بتوثيق تاريخ المساجد الأثرية وحفظ الروايات المرتبطة بها للأجيال القادمة.
وأضاف أن كثيرًا من الشواهد التاريخية تشير إلى وجود مساجد أثرية في قمم الجبال وبطون الأودية والمناطق النائية، بعضها لا يزال بحاجة إلى الدراسة والتوثيق والتسجيل ضمن السجل التراثي للمحافظة. وشدد على أن مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث الحضاري لا تقتصر على الجهات المختصة فحسب، بل تتطلب تضافر جهود المجتمع بأكمله، ولا سيما فئة الشباب، من أجل توثيق هذه المعالم التاريخية وصونها باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والتاريخية لمحافظة مسندم وسلطنة عُمان بشكل عام.
