No Image
المحافظات

الشاروت.. إرث موسيقي من إزكي يروي حكايات المكان ويقاوم الاندثار

30 يونيو 2026
30 يونيو 2026

حاورتها - سُندس الشكيلي 

في ولاية إزكي، حيث تمتد الحكايات بين الأزقة القديمة والواحات الزراعية، وحيث لا تزال الذاكرة الشعبية تحتفظ بالكثير من ملامح الحياة العُمانية الأصيلة، يبرز فن الشاروت بوصفه أحد الفنون الموسيقية التقليدية التي ارتبطت بالمجتمع المحلي لعقود طويلة. فهذا الفن لم يكن مجرد أداء غنائي أو لون موسيقي عابر، إنما شكّل مساحة للتعبير عن مشاعر الناس وتوثيق تجاربهم اليومية، وحافظ على حضوره باعتباره جزءًا من الموروث الثقافي الذي يعكس طبيعة المجتمع وقيمه وعلاقاته الإنسانية. وعلى الرغم من التحولات الثقافية والاجتماعية التي شهدتها المجتمعات خلال العقود الأخيرة، وما صاحبها من تغير في أنماط الترفيه والتواصل، لا يزال الشاروت يحتفظ بمكانته في ذاكرة الكثيرين من أبناء ولاية إزكي ومحافظة الداخلية، بوصفه فنًا ارتبط بالمناسبات الاجتماعية والتجمعات الشعبية، وأسهم في تعزيز الروابط بين أفراد المجتمع. 

وتفتح «عمان» نافذة على هذا الفن العريق مع الباحثة في الموسيقى العُمانية تقوى بنت مصبح الصولية، التي تتناول نشأة فن الشاروت وخصائصه الموسيقية والاجتماعية، ودوره في الحياة المحلية، والتحديات التي تواجه استمراريته، إضافة إلى أهمية توثيقه والحفاظ عليه للأجيال القادمة. 

فن وُلد من البيئة المحلية 

في مستهل الحوار، توضح تقوى الصولي أن فن الشاروت نشأ وتطور في بيئة اقتصادية واجتماعية بسيطة، اتسمت بالاعتماد على الأنشطة التقليدية مثل الزراعة وتربية المواشي والصيد، حيث كان نمط الحياة السائد يعتمد بصورة كبيرة على الروابط العائلية والقرى الصغيرة، الأمر الذي هيأ بيئة خصبة لظهور الفنون الجماعية والاحتفالية. 

وتشير إلى أن الشاروت لم يكن مجرد وسيلة للترفيه، بل منبر للتعبير عن مشاعر المجتمع، ووسيلة لتوثيق أحداث الحياة اليومية، وقناة لإعادة إنتاج القيم الثقافية التي تناقلتها الأجيال. ففي المجتمعات التقليدية، كانت الفنون الشعبية تؤدي أدوارًا تتجاوز حدود الأداء الفني؛ إذ شكلت وسيلة للتواصل الاجتماعي ونقل الخبرات والتجارب الإنسانية. 

وترى أن ارتباط الشاروت بولاية إزكي لم يأتِ من فراغ، إنما جاء نتيجة طبيعة المجتمع المحلي الذي احتضن هذا الفن ومنحه مساحة للنمو والاستمرار، حتى أصبح جزءًا من الهوية الثقافية للولاية، وعلامة مميزة من علامات موروثها الشعبي. 

Image

آلة بسيطة تحمل هوية متفردة 

وتوضح الصولية أن آلة الشاروت تمثل محور الأداء الموسيقي في هذا الفن التقليدي؛ إذ تعتمد على أدوات بدائية مستخرجة من الطبيعة، وأبرزها سعف النخيل المستخدم في صناعة الوتر الموسيقي الوحيد الذي تعتمد عليه الآلة. 

وتؤكد أن فرادة آلة الشاروت لا تقتصر على بنيتها المادية أو الصوت الناتج عنها، إنما تمتد أيضًا إلى تقنية العزف الخاصة بها، التي تعكس مهارات دقيقة وعمقًا معرفيًا تراكم عبر التجربة والممارسة الشفوية على مدى سنوات طويلة. وتضيف أن هذا التفاعل بين أدوات العزف وتقنية الأداء والبنية الشعرية للفن يؤكد الطابع السياسي لفن الشاروت، ويعكس الارتباط الوثيق بين الموسيقى والمجتمع في الثقافة العُمانية التقليدية، حيث تتكامل الآلة مع الكلمة والأداء الجماعي لتشكيل تجربة فنية متكاملة. كما أن اعتماد الآلة على مواد مستمدة من البيئة المحلية يمنحها بعدًا رمزيًا إضافيًا، فهي ليست مجرد أداة لإنتاج الموسيقى، وإنما تعبير عن علاقة الإنسان بمحيطه الطبيعي وقدرته على توظيف عناصر البيئة في صناعة أدواته الثقافية والفنية. 

الغناء الجماعي 

وصناعة التماسك المجتمعي 

وعن الخصائص الاجتماعية لفن الشاروت، تشير الباحثة إلى أن البعد الاجتماعي يتجلى بوضوح من خلال طبيعته الجماعية في الأداء، حيث ينظم بطريقة تدمج بين العزف الفردي والغناء الجماعي، فيما تستمد كلمات الأغاني من تجارب شخصية أو من الحياة اليومية. 

وتوضح أن الطبيعة الجماعية لهذا الفن أسهمت في تعزيز التماسك المجتمعي، من خلال التفاعل المباشر مع الجمهور، إذ يشارك الحضور بالغناء أو بالرقص أو بالهتاف أو حتى بالترديد مع المؤدي، ما يضفي على التجربة طابعًا تشاركيًا حيًا. 

وترى أن هذا التفاعل لا يمثل مجرد استجابة فنية، إنما هو فعل ثقافي يسهم في نقل الهوية الثقافية وتعزيز الشعور بالانتماء، وهو ما جعل الشاروت أكثر من أن يكون مجرد لون موسيقي، إنما مساحة اجتماعية يلتقي فيها الناس حول قيم مشتركة وتجارب متقاربة. 

كما أن هذا التفاعل المباشر بين المؤدين والجمهور أوجد علاقة خاصة بين الفن والمجتمع، حيث لم يكن هناك فصل واضح بين الطرفين، إنما كان الجميع جزءًا من المشهد الفني والاجتماعي في آن واحد. 

حضور امتد عبر عقود 

وحول الدور الذي أداه الشاروت في الحياة الاجتماعية لأهالي إزكي، تؤكد الصولية أن هذا الفن لعب دورًا مهمًا في تعزيز العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، وأسهم في ترسيخ قيم التعاون والانتماء والتواصل. 

فمن خلال المناسبات الاجتماعية والتجمعات الشعبية، وجد الشاروت مساحة واسعة للحضور والتأثير، وتحول إلى وسيلة للتعبير الجماعي عن الفرح والحنين والمشاعر الإنسانية المختلفة. 

كما أسهمت طبيعة الأداء الجماعي في ترسيخ مكانته داخل المجتمع، إذ أصبح جزءًا من المشهد الاجتماعي المرتبط بالمناسبات المختلفة، وحافظ على حضوره في الذاكرة الشعبية بوصفه أحد الفنون التي تعكس روح المكان وتفاصيل الحياة اليومية. 

بين الذاكرة الشعبية 

ومخاطر التراجع 

ورغم هذه المكانة التاريخية والاجتماعية، تشير الصولية إلى أن حضور فن الشاروت في المناسبات الاجتماعية شهد تغيرًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، وذلك بسبب مجموعة من المعوقات والتحديات التي يواجهها هذا الفن، والتي جعلته مهددًا بالاندثار. 

وتوضح أن هذا التراجع لا يرتبط بضعف القيمة الفنية أو الثقافية للشاروت، بل يرتبط بالتحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع، وبالتغيرات التي طرأت على اهتمامات الأجيال الجديدة وأنماط الترفيه والتواصل. 

ومع اتساع تأثير وسائل الإعلام الحديثة والمنصات الرقمية، أصبحت الفنون التقليدية تواجه منافسة متزايدة من أنماط ثقافية أخرى أكثر انتشارًا، وهو ما انعكس على حجم حضورها في الحياة اليومية. 

تحديات ثقافية واجتماعية وتقنية 

وتؤكد الباحثة أن فن الشاروت، رغم أهميته التراثية والثقافية الكبيرة، يواجه جملة من التحديات المعقدة والمتشابكة، يمكن تصنيفها ضمن ثلاثة محاور رئيسة هي: التحديات الثقافية والاجتماعية والتقنية. 

فعلى المستوى الثقافي، ترى أن من أبرز التحديات استمرار الاعتماد على النقل الشفهي بوصفه المصدر الوحيد تقريبًا للمعلومات المرتبطة بهذا الفن، إذ لم يتم حتى الآن توثيق الشاروت بشكل رسمي من قبل الجهات المعنية، الأمر الذي يجعله عرضة لفقدان الكثير من تفاصيله الدقيقة مع مرور الوقت. 

وتوضح أن غياب التوثيق المنهجي لا يهدد استمرارية الفن فحسب، بل يحرم الباحثين والمهتمين من مادة معرفية مهمة يمكن أن تسهم في فهم هذا الفن ودراسته بصورة أعمق. 

أما على المستوى الاجتماعي، فتشير إلى أن الشاروت يواجه أزمة تراجع الاهتمام به من قبل الأجيال الشابة، وهو تحدٍّ لا يقتصر على هذا الفن وحده، إنما يطال العديد من الفنون التقليدية التي تواجه صعوبة في جذب الشباب وإشراكهم في ممارستها. 

كما أن نقص الدعم المادي والمؤسسي يشكل تحديًا إضافيًا، إذ إن غياب المبادرات التنموية وداعمي التمويل يحد من إمكانية تطوير هذا الفن، ويجعل عملية نقله إلى الأجيال القادمة أكثر صعوبة. وفي الجانب التقني، تؤكد الصولية أن الفجوة التقنية تعد واحدة من أبرز التحديات المعاصرة أمام توثيق الفنون الشفهية، حيث تفتقر هذه الفنون إلى التوثيق الرقمي باستخدام وسائل تكنولوجية متطورة. 

وترى أن غياب أرشيف رقمي لفن الشاروت لا يهدد استمراريته فقط، إنما يحد أيضًا من إمكانية دراسته أكاديميًا وتعليمه للأجيال القادمة، خاصة في ظل التحول المتسارع نحو البيئات الرقمية. 

كما أن ضعف استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في نشر محتوى الشاروت يعمق من أزمته، لا سيما أن هذه المنصات أصبحت اليوم من أهم أدوات الترويج الثقافي والفني. 

التكنولوجيا كجسر لحفظ الموروث 

ورغم هذه التحديات، ترى الباحثة أن التكنولوجيا يمكن أن تتحول إلى أداة مهمة للحفاظ على الشاروت وتعزيز استمراريته. 

وتوضح أن التوثيق الصوتي والمرئي عالي الجودة يمثل خطوة أساسية في هذا الاتجاه، إذ يسهم في توثيق الأداءات الحية والاحتفاظ بالتفاصيل الدقيقة للفن، سواء ما يتعلق بأساليب العزف أو الغناء أو التفاعل الجماعي المصاحب له. 

كما تشير إلى أهمية الأرشفة الرقمية، من خلال إنشاء قواعد بيانات إلكترونية تضم النصوص الشعرية والتسجيلات والصور والمقابلات مع الممارسين، بما يوفر مرجعًا علميًا دائمًا يسهل الوصول إليه والاستفادة منه في الدراسات والبرامج التعليمية. 

وتؤكد أن التعليم الرقمي والتدريب التفاعلي يتيحان فرصًا واسعة لتعريف الشباب بهذا الفن، من خلال الدورات التدريبية والتطبيقات التعليمية وورش العمل الافتراضية التي تسهم في نقل المهارات والمعارف المرتبطة به إلى الأجيال الجديدة. 

الاعتراف والتوثيق.. 

خطوات نحو المستقبل 

وتشدد الصولية على أن توثيق فن الشاروت يسهم في الحفاظ على الهوية الثقافية العُمانية وتعزيز استمرارية هذا الفن العريق باعتباره أحد مكونات التراث الثقافي العُماني، كما يضمن نقل أصالته إلى الأجيال القادمة ومواجهة التحديات التي تفرضها العولمة من خلال الاستفادة من التقنيات الحديثة في التوثيق والحفظ. 

وترى أن هناك العديد من الخطوات والحلول التي يمكن أن تسهم في الحفاظ على هذا الفن، من بينها التوثيق الصوتي والمرئي عالي الجودة، والأرشفة الرقمية الشاملة، وتعزيز حضوره في المؤسسات الثقافية والتعليمية. 

كما تشير إلى أهمية الاعتراف الدولي بهذا الفن من خلال إدراجه ضمن قوائم التراث الثقافي غير المادي، لما يمكن أن يوفره ذلك من حماية ودعم واهتمام أوسع على المستويين المحلي والدولي. 

وتؤكد أن الاستثمار في التعليم والتدريب يعد من أهم الوسائل الكفيلة بضمان استمرارية الشاروت، خاصة إذا ما تم توجيه البرامج التدريبية نحو فئة الشباب وإشراكهم بصورة فاعلة في تعلم هذا الفن وممارسته. 

وبين أهمية هذا الفن وما يواجهه من تحديات متسارعة، تبقى الحاجة قائمة إلى جهود متكاملة تحفظ الشاروت بوصفه جزءًا من الذاكرة الثقافية العُمانية، وتضمن استمراره في ظل التحولات الاجتماعية والتقنية التي تشهدها المجتمعات اليوم. فالفنون الشعبية لا تمثل مجرد ممارسات فنية مرتبطة بالماضي، إنما تشكل سجلًا حيًا يوثق تجارب الناس ويعكس خصوصية المكان وهويته الثقافية. 

وبين ما يحمله الشاروت من قيمة فنية وثقافية واجتماعية، وما يواجهه من تحديات تفرضها التحولات المتسارعة في العصر الحديث، يبقى هذا الفن شاهدًا على جانب مهم من الذاكرة الشعبية في ولاية إزكي. فمن خلال ألحانه وكلماته وطبيعته، استطاع أن يوثق تفاصيل الحياة اليومية ويعكس مشاعر الناس وقيمهم وعلاقتهم بالمكان، محافظًا على حضوره في وجدان المجتمع رغم تغير الظروف وتبدل الأزمنة. وتختتم تقوى الصولية حديثها بالتأكيد على أن الشاروت ليس مجرد لون غنائي تقليدي، إنما موروث ثقافي يحمل في تفاصيله جانبًا من هوية المجتمع العُماني وتاريخه، مشيرة إلى أن المحافظة عليه مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون المؤسسات الثقافية والباحثين والممارسين وأفراد المجتمع. 

وترى أن استمرار الاهتمام بهذا الفن وتعريف الأجيال الجديدة به سيسهم في إبقاء حضوره حيًا، ليواصل أداء دوره بوصفه أحد الفنون التي تحفظ ذاكرة المكان وتنقلها من جيل إلى آخر.