فن زخرفة وعمارة المساجد العُمانية.. مدرسة تاريخية تتوارثها الأجيال
02 يونيو 2026
02 يونيو 2026
كتبت - رقية الكندي
يحظى فن العمارة الإسلامية في سلطنة عُمان بمكانة رفيعة، وتتجاوز المساجد دورها الرسالي كمكان للعبادة لتُصبح تحفا فنية ناطقة بجمال الزخرفة الإسلامية وروحها الهادئة، تتناغم النقوش الهندسية والنباتية والكتابات العربية لتزيّن المحاريب والنوافذ والأبواب والأسقف، حاكية تاريخا ممتدا من الإبداع.
وإذا ما تفضّل الزائر بزيارة جامع بهلا التاريخي -الذي شُيّد في القرن الأول الهجري، ويعود محرابه إلى القرن العاشر- فإنه سيعيش رحلة بصرية ثرية في أحد أبرز المعالم الدينية بالسلطنة.
ويشير علي العدوي -أخصائي آثار أول بوزارة التراث والسياحة- إلى أن جامع بهلا يتميز بمحرابه العملاق، وهو أطول محراب مزخرف في المساجد العُمانية القديمة، إضافة إلى احتوائه كتابات تؤرّخ للمنطقة، كما يلفت إلى أن جامع سعال بولاية نزوى، الذي يعود تاريخه إلى عام 650 هجري (1252 ميلادي)، يحمل أقدم محاريب جصية مزخرفة قائمة حتى اليوم، ويتفرّد محرابه بزخارف فريدة من نوعها.
من جهتها، أوضحت الدكتورة نعيمة بن كاري- مشاركة في قسم الهندسة المدنية والمعمارية بجامعة السلطان قابوس، أن دراستها للمحاريب المنحوتة بالجص في المساجد التقليدية كشفت عن تشييد هذه المحاريب على مدى ستة قرون، تمتد من منتصف القرن الثالث عشر الميلادي إلى أوائل القرن التاسع عشر.
وأضافت: إن المحاريب التي بُنيت خلال القرن السادس عشر الميلادي تُعد الأكثر عددًا والأكثر تطورًا من حيث جودة التنفيذ وثراء التفاصيل الجمالية. مشيرة إلى أن محافظة الداخلية، وولاية منح على وجه الخصوص، كانتا مركزا لتطوّر هذا الفن، لا سيما بعد إحيائه في أوائل القرن السادس عشر؛ ويلفت النظر إلى أن أغلب المحاريب المزخرفة تقع في محافظة الداخلية.
وتؤكد الدكتورة نعيمة أن ولاية منح كانت موطنا لأشهر مُزخرفي المحاريب خلال ثلاثمائة عام، وأن أقدم المحاريب الباقية من القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) توجد في ولاية منح، وتحديدا في حارة البلاد التي تضم أربعة نماذج منها؛ مسجد العالي (عام 909 هـ) ومسجد العين (عام 911 هـ / 1505 م).
ويمتد هذا الإرث الفني من بهاء المساجد العتيقة في ولايات محافظة الداخلية -كَنزوى، ومنح، وأدم، وبهلا، وإزكي، وسُمائل- وكذلك في بعض ولايات محافظتي الباطنة وشمال الشرقية، إلى أناقة التصاميم الحديثة في مسقط وسائر مساجد سلطنة عُمان، ليخوض الزائر رحلة بصرية وروحية تلامس جمال الفن الإسلامي في أدق تفاصيله، وتُعرّفه بوجه آخر من سحر عُمان، فما إن يبدأ الزائر جولته بين المحاريب والمداخل حتى تخطف بصره الزخارف الهندسية؛ حيث تتشكّل من مثلثات ومربعات ودوائر ومضلعات وأشكال نجمية أنماط معقدة ومتكررة ودقيقة.
ويُضيف العدوي: إن انبثاق شكل بسيط إلى تركيب لا متناهٍ يعكس حقيقة أن الكون، رغم تعقيده، تحكمه إرادة واحدة ونظام محكم لا عشوائية فيه، وأن التكرار والترابط بين العناصر يشير إلى الامتداد اللامتناهي لعظمة الله بما يتجاوز حدود الزمان والمكان، وهذه الدقة والتناغم لا يخاطبان البصر فحسب، بل يدعوان إلى التأمل، ويغرسان السكينة في النفس، ويحوّلان الزخرفة إلى تجربة روحية تعمّق الإيمان، وتجعل من الجمال طريقًا إلى الخشوع. ثم تستمتع العين بالزخارف النباتية -الأرابيسك أو فن التوريق- على الجدران والمحاريب والأعمدة والمنابر والأبواب والنوافذ؛ حيث تتحول الأغصان المتداخلة والأوراق المتمايلة إلى قصيدة ناعمة منحوتة في الحجر ونداء للجمال من الخشب، وهي ترمز -كما ورد عن المختصين- إلى قدرة الله وجماله غير المتناهي.
أمّا الزخارف الخطية، فكما تذكر الدكتورة نعيمة فإنها تخاطب الروح بحرفها المقدس، وتربط الإنسان بموروثه الديني؛ إذ يزيّن الخط العربي الأسقف وواجهات الجدران بآيات قرآنية وأبيات شعر وكلمات مأثورة تمزج بين الفن والقداسة، وقد استُخدم كل من الخط الكوفي والثلث في المحاريب المنقوشة، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك الخط الكوفي المزهّر في محراب وحائط قبلة جامع سعال بولاية نزوى، الذي يحمل أقدم تاريخ في المحاريب الجصية المزخرفة القائمة حتى اليوم.
وكشف بحث الدكتورة نعيمة بن كاري عن وجود مدرسة عُمانية متكاملة في فن نحت الجص على المحاريب، امتدت من القرن الثالث عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وبلغت ذروتها في القرن السادس عشر، ونجح الحرفيون العُمانيون في دمج التأثيرات الخارجية من بلاد فارس واليمن ومصر والجزائر والعراق مع خبراتهم المحلية ليُخرجوا فنا فريدا، ومن أبرز السمات المميزة للمحراب العُماني: لافتة الشهادة المكتوبة بالخط الكوفي في الجزء العلوي، والإطار الخارجي المكون من دوائر مماسية تزينها أطباق خزفية زرقاء وخضراء، بالإضافة إلى التوثيق الغني بالنقوش التي تذكر اسم الحرفي والوضع الاجتماعي والسياسي، فضلا عن استخدام الأطباق الخزفية الصينية من عهد أسرة مينج، وهي سمات تجعل من هذا الفن تراثا عُمانيا أصيلا وفريدا.
ويُبرز البحث الذي أجرته الدكتورة نعيمة بن كاري أن فن نحت المحاريب بالجص في سلطنة عُمان يشكل مدرسة فنية مستقلة، نشأت من تكييف محلي لمؤثرات خارجية؛ حيث أظهر الحرفيون العُمانيون، وخاصة الرواد منهم، روحا استكشافية وتجريبية على مدى قرون، مما جعل المحاريب تحمل بصمة جمالية وروحية خاصة بسلطنة عمان، إلى جانب كونها جزءا من التراث الفني الإسلامي العام.
وأوضحت الدكتورة نعيمة أن هذه المدرسة تعكس ذوقا بصريا تراكميا، يمزج بين الموروث الفني للمحاريب السابقة والاتجاهات الفنية المعاصرة لكل عصر، مُعيدا ابتكارها ضمن لغة عُمانية واضحة، وهو ما تجسد بوضوح في جوامع السلطان قابوس الأكبر التي توظف الموروث العُماني في إطار حداثي أنيق.
من جهة أخرى، أوضح علي العدوي أن التقنية الأساسية في المساجد التاريخية تعتمد على القوالب الخشبية المصبوبة والنحت اليدوي المباشر باستخدام مواد محلية مثل الجبس؛ حيث تبدأ العملية بنقش التصميم على قالب خشبي، ثم صبّ الجبس عليه، ثم تركيبه قطعة تلو الأخرى على المحراب، وقد دوّنت أسماء أبرز الحرفيين العُمانيين الذين توارثوا هذه المهنة عبر الأجيال، كعائلة الهميمي، ولا يزال المهرة يمارسونها يدويا ارتباطا بالهُوية الثقافية، وإن كانت التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي قد وسّعت الآفاق، كما حصل عند ترميم محراب مسجد العوينة ونقله إلى المتحف الوطني.
أما في المساجد الحديثة، فقد ساهمت المواد الجديدة كالألمنيوم والإكريليك والزجاج، إلى جانب الإضاءة الذكية والمقرنصات الحديثة، في إنتاج زخارف أكثر ديمومة، مع تركيز أقل على كثافة الزخارف وأكثر على الأشكال الهندسية المجردة والزخرفة الخطية، مع الحفاظ على روح التراث العُماني الأصيل.
تجدر الإشارة إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها سلطنة عُمان، ممثلة بوزارة التراث والسياحة والمتحف الوطني، للحفاظ على هذا الموروث الزخرفي الإسلامي عبر ترميم المساجد القديمة وصيانتها، إيمانا بأن الجمال في المساجد ليس ترفا، بل امتداد للقداسة نفسها.
