No Image
المحافظات

«الحضور» في جعلان بني بوعلي.. عادة اجتماعية تعيد تشكيل نبض الولاية صيفًا

30 يونيو 2026
30 يونيو 2026

جعلان بني بوعلي - حمد العريمي 

«الحضور» عادة اجتماعية متجذّرة في الذاكرة الجمعية لأبناء ولاية جعلان بني بوعلي، إذ تشهد الولاية خلال هذه الفترة حركةً نشطةً تتمثل في توافد الأسر من القرى الساحلية والوديان والمناطق البعيدة إلى مركز الولاية، في تقليد اجتماعي توارثته الأجيال جيلًا بعد جيل. 

ورغم ما شهدته الولاية من تطور في البنية الأساسية والخدمات وشبكات الطرق ووسائل الاتصال، فإن هذه العادة ما زالت تحافظ على حضورها بوصفها مناسبة اجتماعية تجمع بين قضاء الاحتياجات المعيشية وتعزيز أواصر التواصل الأسري والاجتماعي، إلى جانب ما تتيحه من مساحة للتلاقي وتبادل الأخبار وإحياء الروابط بين الأهالي. 

وفي ظل استمرار هذه الظاهرة، يبرز عدد من التساؤلات حول دوافع تمسك المواطنين بها حتى اليوم، وكيف أسهمت في تنشيط الحركة التجارية والاجتماعية في مركز الولاية، وما إذا كانت ملامح «الحضور» قد تغيّرت مع التحولات المتسارعة في أنماط الحياة الحديثة. 

Image

أسئلة يسلط عليها هذا الاستطلاع الضوء من خلال آراء المواطنين واستطلاع تجاربهم وذكرياتهم المرتبطة بهذه العادة الاجتماعية الأصيلة، التي ما زالت تشكل جزءًا من هوية المكان وذاكرته الاجتماعية. 

يقول مبارك بن عبدالله السنيدي، من منطقة البندر الجديد: إن ولاية جعلان بني بوعلي تشهد خلال هذه الفترة من كل عام تنقلًا واسعًا للأهالي من المناطق الساحلية والقرى والوديان إلى مركز الولاية، في عادة اجتماعية متوارثة يُطلق عليها محليًّا اسم «الحضور»، حيث يتخذها السكان فرصةً لقضاء موسم المقيظ أو الصيف في مركز الولاية. 

وأوضح أن هذه العادة تُعد من السمات الاجتماعية البارزة في الولاية، نظرًا لكونها من أكثر ولايات سلطنة عُمان ارتباطًا بهذه الظاهرة، نتيجة لكثافة التجمعات السكانية في المناطق الساحلية والوديان. 

ويعود تمسك الأهالي بها إلى عدة اعتبارات، من بينها الاستمتاع بموسم جني ثمار النخيل (الرُّطب)، ومرحلة «الجداد» في منتصف الموسم، إضافة إلى التغيرات المناخية في مناطقهم الساحلية بفعل ارتفاع الرطوبة وتحرك الرياح والأمواج، ما يجعل مركز الولاية خيارًا أكثر ملاءمة لقضاء فترة الصيف التي تمتد من شهرين إلى ثلاثة أشهر. 

وأضاف السنيدي: إن هذه الفترة تمثل أيضًا متنفسًا للأسر والطلبة بعد عام دراسي حافل، قبل العودة مجددًا إلى مناطقهم الأصلية مع انتهاء الموسم. 

وعن الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه العادة، أشار إلى أن مركز الولاية يشهد خلال فصل الصيف حراكًا تجاريًّا ملحوظًا، حيث تنتعش الأسواق والمحلات نتيجة زيادة الإقبال على عمليات البيع والشراء، لافتًا إلى أن الولاية تُعد من الولايات ذات النشاط التجاري البارز في المحافظة. 

كما تبرز خلال هذه الفترة المناسبات الاجتماعية، ولا سيما حفلات الزواج واللقاءات العائلية التي تزداد كثافتها بشكل واضح. 

وفي حديثه عن الفارق بين الماضي والحاضر، أوضح السنيدي أن «الحضور» يُعد من العادات الأصيلة التي يحرص عليها الأهالي منذ القدم، غير أن وسائل التنقل تغيّرت؛ فبعد أن كانت الرحلات تُقطع قديمًا على ظهور الجمال وتستغرق وقتًا طويلًا، أصبحت اليوم تتم عبر المركبات الحديثة، ما جعل الحركة أكثر سهولة وسرعة، مع استمرار المشهد الاجتماعي المميز لتوافد الأهالي إلى مركز الولاية. 

وأشار إلى أن الخدمات في المناطق الساحلية شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، مع تطلع الأهالي إلى مزيد من التطوير، خاصة في صيانة الطرق الرابطة بين مركز الولاية ومناطقها، وتوسيع شبكات المياه، إلى جانب تعزيز الوعي بأهمية الاستقرار، قدر الإمكان، في القرى والمناطق الساحلية. 

كما دعا إلى استثمار فترة وجود الأهالي في مركز الولاية من خلال تنويع الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، وتنظيم المعسكرات والبرامج التطوعية، إضافة إلى عقد لقاءات تشاورية مع المواطنين للاستفادة من آرائهم ومقترحاتهم، بما يسهم في تطوير الخدمات وتعزيز التنمية المحلية في الولاية. 

قال عبدالله بن سعيد الساعدي، أحد سكان منطقة الحِدّة الساحلية بولاية جعلان بني بوعلي: إن مركز الولاية يشهد خلال موسم «الحضور» حركةً نشطةً لافتةً للسيارات المحمّلة بالأغراض الشخصية للأهالي، ضمن واحدة من أبرز العادات الاجتماعية المتوارثة في الولاية. 

وأوضح أن هذه العادة تقوم على انتقال الأسر من المناطق الساحلية والقرى البعيدة إلى مركز الولاية خلال مواسم محددة، حيث جرت العادة على تنظيم شؤون التنقل والاستقرار المؤقت بعناية بين تلك المناطق المتباعدة التابعة للولاية. 

ورغم وجود هذه الظاهرة في بعض الولايات الأخرى، إلا أنها تبرز في جعلان بني بوعلي بشكل أوضح وأكثر كثافة، ما ينعكس على ازدحام مركز الولاية وتنشيط حركته التجارية والاجتماعية بصورة ملحوظة. 

وأضاف: إن الأهالي خلال هذه الفترة يجلبون معهم جزءًا من منتجاتهم البحرية والغذائية، مثل الأسماك المجففة (العوال) والمملحة (السهوة والكنعد)، إلى جانب الاستفادة من موسم جني ثمار النخيل، وقضاء فترةٍ من الراحة، وتغيير نمط الحياة بعد عناء العمل في البحر أو البادية، وكذلك بعد عام دراسي كامل. 

وعن دلالة هذه العادة، قال الساعدي: إن «الحضور» يمثل تقليدًا اجتماعيًّا راسخًا توارثته الأجيال، إذ يوفّر فرصةً للالتقاء والتواصل بين الأسر، وقضاء الاحتياجات المختلفة في مركز الولاية، بما يعزز الترابط الاجتماعي ويقوي العلاقات الأسرية بين الأهالي. من جانبه، قال سالم بن صالح الغيلاني، من منطقة أصيلة الساحلية: إن دوافع انتقال الأهالي إلى مركز الولاية تتعدد، وتشمل تغير الأجواء وتقلباتها وارتفاع أمواج البحر، إضافة إلى قرب مركز الولاية من المؤسسات الحكومية، ما يسهل إنجاز المعاملات الرسمية، فضلًا عن قضاء الإجازة الصيفية وجني ثمار النخيل، إلى جانب اللقاءات الاجتماعية مع الأقارب والأصدقاء المقيمين في المركز. 

وفيما يتعلق باستمرار هذه العادة بين الأجيال الجديدة، أكد الغيلاني أنها ما زالت قائمة، وإن طرأت عليها بعض التغيرات، موضحًا أن تطور وسائل النقل وتوفر الخدمات في عدد من المناطق لم يلغِ أهمية «الحضور»، الذي لا يزال يشكل مناسبة اجتماعية مهمة للتلاقي وقضاء الوقت مع الأسرة والأصدقاء وتعزيز الروابط الاجتماعية. 

ويضيف سالم بن صالح الغيلاني أن عادة «الحضور» تؤثر بشكل مباشر على الحركة التجارية في مركز ولاية جعلان بني بوعلي، حيث تشهد الأسواق خلال مواسم الحضور زيادةً ملحوظةً في أعداد المتسوقين، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على حجم المبيعات ويعزز النشاط الاقتصادي في المحلات التجارية بمختلف أنواعها. 

وعن الجانب الاجتماعي، يؤكد الغيلاني أن «الحضور» ليس مجرد انتقال مكاني للأسر من مناطقهم إلى مركز الولاية، بل هو مناسبة اجتماعية متجددة تُحيا فيها صلات الرحم وتكثر خلالها الزيارات العائلية واللقاءات بين الأقارب، إذ يلتقي الأهل والأصدقاء في نطاق جغرافي واحد، ما يعزز قوة الروابط الاجتماعية ويعمّق التماسك المجتمعي، ويرسخ قيم التكافل والتعاون والتواصل بين مختلف الفئات. 

كما يشير إلى أن هذه التجمعات تتيح فرصةً لتبادل الأخبار والخبرات، وإحياء الموروثات والعادات الاجتماعية المتوارثة جيلًا بعد جيل، بما يحافظ على الهوية الاجتماعية للمنطقة ويعزز استمراريتها. 

وفي جانب التطلعات، يوضح الغيلاني أنه رغم الاستمتاع بهذه العادة، فإن هناك من ينادي بتعزيز الاستقرار في المناطق الساحلية والقرى، وهو ما يتطلب -من وجهة نظره- توفير مزيد من الخدمات الأساسية الداعمة لذلك، مثل تحسين وتوسعة الطرق، وتوفير شبكات المياه، إلى جانب تعزيز الخدمات الصحية عبر زيادة العيادات التخصصية وتوفير المختبرات والأشعة وتمديد ساعات العمل لتكون على مدار الساعة، فضلًا عن دعم الحرفيين، ولا سيما العاملين في القطاع السمكي، بما يسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز التنمية في تلك المناطق. 

وبالتالي، تُعدّ عادة «الحضور» في ولاية جعلان بني بوعلي إحدى العادات الاجتماعية الأصيلة التي رسّخت حضورها عبر الزمن، وظلت محافظة على مكانتها رغم تغير أنماط الحياة وتطور وسائل المعيشة. 

فهي لا تقتصر على تلبية الاحتياجات اليومية للأهالي، بل تمتد لتشكل مساحةً حيويةً لتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، بما يعكس عمق التلاحم المجتمعي الذي تتميز به الولاية، ويؤكد استمرارية الموروث الاجتماعي في صورته المتجددة.