No Image
العرب والعالم

لبنان.. مشهد متأرجح بين الدبلوماسيّة والتفاوض "تحت النار"

20 يناير 2026
20 يناير 2026

على وقع طبول الحرب التي تتوعّد بها إسرائيل لنزع سلاح "حزب الله"، لا يزال لبنان الرسمي يدرس خياراته للتعامل مع كلّ الضغوط التي يتعرّض لها لتجنّب التصعيد العسكري الإسرائيلي، والاتصالات مفتوحة بين الرؤساء الثلاثة والمسؤولين للبحث عن صيغة تتيح تفادي المواجهة، في حين انشغل الداخل السياسي بقراءة مضامين المشهد التفاوضي الذي أضحى واضحاً. ذلك أن لبنان يعوّل على المفاوضات ذات الطابع السياسي، ويريد تفعيل عمل "الميكانيزم"، لتجنّب ضربة عسكرية إسرائيلية قوية، أو ربما لتأجيل الضربة التي يكثر الكلام عن كونها باتت شبه مؤكدة، فيما إسرائيل تواصل انتهاج مسار "التفاوض بالنار". وما بين المساريْن المتعاكسيْن، غموض يلفّ اجتماعات لجنة مراقبة وقف إطلاق النار "الميكانيزم"، خصوصاً أن موعد انعقادها غير ثابت، وفي حال اجتمعت فستجتمع في شقّها العسكري فقط، ولن يكون هناك حضور للمدنيّين.

ومع أن الصورة العامة للمشهد اللبناني مالت، خلال الأسبوع الماضي، نحو ستاتيكو تبريدي ظاهراً، لم يخرقه سوى موجات متقطّعة من الغارات الإسرائيلية على مناطق في الجنوب والبقاع، فإن ظاهر المشهد لا يعكس باطنه. ففي جنوب لبنان، لا يزال الميدان يفرض إيقاعه، على وقع الغارات المبرمجة من دون إنذارات مسبقة، والمحلّقات والصواريخ والقنابل الإسرائيلية التي تسقط على قرى الحافّة الأماميّة بشكل يوميّ، في وقت تتكثف الاتصالات لتثبيت قواعد الاشتباك ومنع الانفجار الكبير، بين من ينادي بالاعتماد حصراً على "لجنة الميكانيزم"، بصيغتها العسكرية أو المُطعّمة بمدنيّين، ومن يقول بوجوب الانتقال الى مرحلة من التفاوض السياسي المدني المباشر على مستوى أرفع بين لبنان وإسرائيل.

وما بين المشهديْن، فإن ثمّة مؤشرات الى خطر توقف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وسط محاولة لإعادة إطلاقها، تحت مظلّة دعم خارجي للبنان، أرسى دعائمها المبعوثون الديبلوماسيّون الى بيروت، ووعود مؤجلة على شروط تطبيقيّة، يبدأ مسار تنفيذها شمال نهر الليطاني تحت عنوان "الإحتواء" فيما يخصّ المرحلة الثانية من خطّة حصريّة السلاح بيد الدولة، وينتهي في باريس بتحديد تاريخ انعقاد مؤتمر دعم الجيش في 5 مارس المقبل. كما تنحو المؤشرات باتجاه التخوّف من أن يكون "اتفاق وقف الأعمال العدائية"، في 27 نوفمبر 2024، قد بلغ أخطر مراحل الموت السريري. وما أعاد الإضاءة على مصير "إتفاق تشرين" راهناً هو الإرجاءات المتكرّرة لاجتماعات لجنة "الميكانيزم"، بعد وقت قصير من تطعيمها بمدنيّين، بما يثير الإلتباس حول الموقف الأميركي المتحكّم بهذه اللجنة، واقترن ذلك بالمؤشرات المتبادلة ما بين إسرائيل و"حزب الله" للإطاحة واقعياً بمجمل حالة اتفاق وقف الأعمال العدائية.

وفي السياق، علمت "عُمان" أن رئيس اللجنة، الجنرال الأمريكي جوزيف كليرفيلد، غادر في 9 من الجاري الى الولايات المتحدة الأمريكية، على أن يعود الى المنطقة في فبراير المقبل. وفي المعلومات أيضاً، فإن اللجنة لن تجتمع وتناقش خطّة المرحلة الثانية من خطّة حصريّة السلاح شمال نهر الليطاني، طالما أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل سيعرضها أمام مجلس الوزراء في الأسبوع الأول من فبراير المقبل، فيختم مرحلة، ويضع الحكومة أمام حتمية اتخاذ قرار حول ما بعد جنوب الليطاني.

واذا كانت السلطة اللبنانية نجحت في شراء بعض الوقت، من خلال إقدامها على تعيين السفير السابق سيمون كرم على رأس الوفد اللبناني المفاوض في لجنة "الميكانيزم"، في خطوة حسبتها إسرائيل "إنتصاراً" سياسياً في سجلّها، فالأمر لا يعني على الإطلاق، وفق إجماع مصادر سياسية معنية لـ"عمان"، أن خطر الحرب الموسّعة لم يعد قائماً.. فهل ستسير المفاوضات وخطّة حصر السلاح في خطّيْن متوازييْن؟ وإذا كان الملفان منفصليْن، فهل ستسير المفاوضات وفق وتيرة جمع السلاح؟

وفي معرض الإجابة عن هذين السؤالين، أجمعت المصادر نفسها على أن الحراك الديبلوماسي الذي شهده لبنان في الآونة الأخيرة، وما قد يشهده خلال الأيام المقبلة، لا ينفصل عن قلق متزايد من استمرار الوضع الراهن بلا أفق، ويعكس تبدّلاً تدريجياً في مقاربة المجتمعين الإقليمي والدولي للواقع الأمني والسياسي القائم، ولا سيّما على الجبهة الجنوبية، وسط سلسلة تطورات متزامنة، أبرزها: إدخال تمثيل مدني إلى لجنة "الميكانيزم" المعنية بمتابعة الوضع جنوب الليطاني وشماله، عودة النقاش الدولي حول مستقبل الوجود الأممي بعد انتهاء ولاية قوات "اليونيفيل" نهاية العام الجاري، إلى جانب زحمة موفدين واتصالات أعادت بيروت إلى صدارة الإهتمام الديبلوماسي. وذلك، في مسار لا يُقرأ كتحرّك ظرفي، بل كجزء من مقاربة أوسع لإعادة تقييم أدوات التدخل الدولي وحدود فاعليتها.