خفض المساعدات الصحية الأمريكية يخلّف حصيلة بشرية ثقيلة
باريس"أ.ف.ب": مع مطلع العام 2025، أقرت الحكومة الأمريكية اقتطاعات كبيرة في المساعدات الدولية، ولا سيما في القطاع الصحي، ويقدّر باحثون أن حصيلتها بعد عام قد تُقاس بمئات آلاف الوفيات التي كان بالإمكان تجنبها.
وقالت سارة شو من منظمة "إم إس آي" غير الحكومية المعنية بتعزيز الصحة الجنسية في عدد من البلدان، معظمها في إفريقيا: "تمكنا من الصمود العام الماضي مع ما تبقّى لنا. لكن لم يبق شيء اليوم".
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت خفض التمويل في يناير 2025، بعد أيام من تنصيب دونالد ترامب لولاية رئاسية جديدة، واستهدف القرار بالدرجة الأولى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بدفع من الملياردير إيلون ماسك، الحليف السابق لترامب، الذي تولّى حينها ملف الكفاءة الحكومية قبل أن يختلف لاحقا مع الرئيس ويتخلى عن مهامه.
وجرى تجميد نحو 83% من برامج الوكالة، ما شكّل ضربة كبيرة لجهود مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (إتش آي في)، والسلّ، والملاريا، وأمراض أخرى.
ولم تكن الولايات المتحدة الوحيدة التي خفضت مساعداتها الإنمائية، إذ أقدمت دول متقدمة أخرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا على خطوات مماثلة، في اتجاه عالمي يثير قلق خبراء الصحة.
غير أن أثر الاقتطاعات الأمريكية يبقى الأوسع، إذ كانت الولايات المتحدة قبل قرارات ترامب تساهم بأكثر من 40% من إجمالي المساعدات الدولية.
ولا يمكن تحديد عدد الوفيات التي تعزى مباشرة إلى هذا الخفض، لكن عددا من المراكز البحثية نشر تقديرات متقاربة تستند إلى نماذج محاكاة.
وبحسب موقع "إمباكت كاونتر" (Impact Counter) الذي أسسه باحثون من جامعة بوسطن لتقدير التداعيات الفعلية للبرامج الإنسانية والاجتماعية، فإن اقتطاعات "يو أس إيد" تسببت بأكثر من 750 ألف وفاة، بينهم 500 ألف طفل.
وكان أكثر من 70 ألفا من هذه الوفيات نتيجة الملاريا و48 ألفا بسبب السلّ. لكن جهود مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية كانت الأكثر تضررا مع 170 ألف وفاة. وقد دقّ برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية"الإيدز "ناقوس الخطر في نوفمبر.
وفي وقت سابق من العام الماضي، دعا تيدروس غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الولايات المتحدة إلى "إعادة النظر" في الخفض الحاد لمساعداتها المخصصة للقطاع الصحي. وأشار إلى أن وقف دعم برامج لمواجهة الإيدز فقط "قد يلغي التقدم الذي تحقق على مدى 20 عاماً"، بالإضافة إلى أنه سيتسبب بأكثر من 10 ملايين حالة إصابة إضافية بالإيدز و3 ملايين وفاة مرتبطة بالإيدز. وأضاف: "نواجه الآن اضطرابات حادة في إمدادات تشخيص الملاريا والأدوية والناموسيات المعالَجة بالمبيدات بسبب نفاد المخزون أو تأخير التسليم أو النقص في التمويل". وأكد أن الدعم الأمريكي ساعد خلال العقدين الماضيين "في إنقاذ أرواح نحو 80 مليون شخص".
من جانبه، حذّر البرنامج الأممي من أن الاقتطاعات الأمريكية قد "تمحو" عقودا من التقدّم.
وأظهرت دراسة نشرتها "كواليشن بلاس" وهي منظمة تجمع كبرى الجمعيات الفرنسية المعنية بمكافحة فيروس اتش آي في، وشملت 79 منظمة غير حكومية في حوالى 50 بلدا أن عمل هذه المؤسسات تأثّر أينما كان في العالم.
وقد اضطرت 80 % من هذه المنظمات إلى أن تخفّض إلى النصف توزيع العلاج الوقائي قبل التعرض الذي يعدّ أساسيا في مكافحة انتشار الفيروس المسبّب للايدز.
وبالنسبة إلى المصابين، تسبّبت الاقتطاعات الأمريكية إلى حدّ كبير في تضييق النفاذ إلى الأدوية العاملة بمضادات الفيروسات القهقرية التي تساهم في استقرار وضعهم الصحي.
وتردّ الإدارة الأميركية على الانتقادات الموجّهة إليها بهذا الخصوص بالقول إنها تبقي على بعض التمويل الذي يعدّ أساسيا لتسهيل مثلا النفاذ إلى ليناكابافير وهو علاج يشكّل تقدّما كبيرا.
غير أن تقلّص التمويل الأمريكي له تداعيات هي أبعد بنطاقها من مجرّد النفاذ إلى الأدوية.
وقالت شوو إن "تمويل يو اس ايد كان مثل جبل الجليد بعض الشيء"، أي أن جزءا كبيرا منها لم يكن ظاهرا للعين المجرّدة.
فالتمويل المخصّص للبنى التحتية الذي ليس بارزا بقدر ذاك الموجّه مباشرة إلى البرامج الصحية تبخّر بدوره مع تداعيات لا تقلّ جسامة على الصعيد الصحي، كما قالت كاتيرينا مونتي الباحثة في معهد الصحة العالمية "آي اس غلوبال" في برشلونة في تصريحات لوكالة فرانس برس.
وبحسب هذه الهيئة التي زوّدت وكالة فرانس برس في نوفمبر بتقديرات حصرية، قد تعزى أكثر من 22 مليون حالة وفاة يمكن تجنّبها إلى الاقتطاعات المالية للبلدان المتقدّمة بحلول 2030.
وقدمت مونتي مثالا عن أطفال يعانون من الإسهال في مناطق نائية، موضحة أنهم لا يحتاجون إلى العلاج فحسب، بل أيضا إلى مياه شرب نظيفة ومرافق صحية ملائمة ومعلومات أساسية حول قواعد النظافة.
وكشفت "هو نظام مركّب، فإذا ما أزلتم قطعة واحدة منه، لا يعود يجدي نفعا".
