وسائل التواصل الاجتماعي بين المنع والتنظيم

23 يونيو 2026
23 يونيو 2026

لم تعد الدراسات اليوم تركز على الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي كخطر مطلق على الأطفال؛ لأن درجة التأثير التي قد تحدث للطفل تعتمد على عدة عناصر، منها العمر ومدة الاستخدام ونوع المحتوى الذي يتعرض له الطفل والرقابة الأبوية بالإضافة إلى حالة الطفل النفسية؛ لذلك فإن الحديث عن الضرر بشكل مطلق قد لا يكون دقيقا، إضافة إلى أن تعاملنا معها بهذه العقلية لا يقدم حلولا ناجعة أو مجدية لكيفية التعامل معها.

وربما نحتاج قبل ذلك أن نعرِّف الوسائل المقصودة في هذه الحالة: هل هي منصات التواصل الاجتماعي التي تتيح التواصل والصداقات، مثل تك توك وسناب تشات وغيرها، أم حتى تلك التي تقدم منصات لتبادل المعرفة والمعلومات ومنها اليوتيوب؟ لأن المنصات متنوعة ومتعددة ومختلفة الاستخدامات، فما الذي سيمنع؟ وما الذي سيقنن؟ وما الذي سينظم؟ علما بأن المنصات متجددة، ولن تتوقف عند حد معين، ونحن هنا لم نتطرق بعد إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي لا تقل خطورة كذلك، بل قد تتجاوزها.

فكيف يمكننا التعامل؟ وكيف يمكننا حماية أطفالنا؟ لأنه ورغم يقيني بأن لها من المضار الكثير على الكبير والصغير، لكنني أتردد كثيرًا في فكرة المنع المطلق وجدواه وتأثيره؛ فربما تتخذ إجراءات تحمي من هم دون الأهلية والوعي لمعرفة الأضرار، لكننا في حاجة ماسة إلى تأهيل جيل قادر بشكل صحي على التعامل مع هذه الأدوات بالشكل المفيد عوضًا عن المنع؛ لأنه في حقيقة الأمر لا توجد أي أداة قادرة على المنع التام عدا قطع الإنترنت! ولا أعتقد أن أي أحد يود ذلك.

ومع هذا الجدال ما بين المنع والتنظيم ربما من المهم أن نبقى دائما على فكرة أن هذا الجيل هو جيل يتربى مع التقنية ومنذ لحظاته الأولى وهو يرى الأدوات التقنية تحيط به في كل مكان بدءًا من أول صورة تلتقط له من عدسة الهاتف النقال إلى كاميرات المراقبة المعلقة على سريره .

فربما لا يكمن الحل في المنع بقدر ما يكمن في تمكين الطفل والمجتمع من التعامل والفهم الصحيح لهذه الأدوات عبر ما يمكنني أن أسميه (مثلث التمكين الرقمي)؛ حيث يكون الطفل هو المحور الذي تدور حوله ثلاثة أركان أساسية متكاملة لا يمكن لأي منها أن ينجح منفردا؛ حيث يكون الركن الأول هو التنظيم عبر المؤسسات الرسمية وشركات التقنية من خلال وضع الضوابط وآليات الحماية المناسبة، والركن الثاني التربية الرقمية التي ترفع من مستوى وعي الطفل والقدرة على التمييز والاختيار الصحيح، والركن الثالث الرقابة الأسرية لتكون خط الدفاع الأقرب للطفل؛ فتكامل هذه الأركان ينقلنا من التفكير في المنع المطلق للطفل إلى التمكين من الاستخدام الآمن.

ونجد أن بعض الدول بدأت في اتخاذ إجراءات مختلفة تسعى من خلالها إلى تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال في محاولة لحمايتهم من تأثيراتها السلبية، مثل الإجراءات الصارمة في الصين التي فرضت على شركات التواصل الاجتماعي تطوير واجهات خاصة بالطفل في Tiktok و Wechat وغيرها من المنصات الصينية تمكن الأطفال والمراهقين من التواصل عبرها بشكل أكثر أماناً.

وأستراليا التي اتجهت إلى فرض قيود عمرية صارمة وتقنين مشدد للوصول إلى بعض المنصات، أو ما تفعله المملكة المتحدة بأن تحمل الشركات التقنية المسؤولية عبر إلزام المنصات على حماية الطفل، وتقنين المحتوى الضار، وتحمل مسؤوليتها تجاه حماية الأطفال، وبين اتجاه بعض الدول مثل فرنسا إلى التعامل الوسطي عبر التوعية وإشراك الوالدين في المسؤولية، وبناء الثقافة الرقمية عبر مناهج تعليمية.

إلا أنه ووفقا لما ذكرته المصادر فإن الأطفال ما زالوا قادرين على التحايل وإيجاد طرق للاستخدام دون موافقة الوالدين والولوج إلى بعض المنصات المحجوبة، وهو ما يطرح تساؤلا حول ما إذا كان رهاننا على المنع وحده كافيا لتحقيق الحماية المنشودة لهذه الفئة.

أختم مقالي بالحديث عن أساس الجدل، وهو المحتوى وليس في الأداة نفسها؛ فإذا ارتقى المحتوى وتراجعت المواد الضارة تقلص جانب كبير من المخاوف المرتبطة بهذه الأدوات، وهنا أخاطب شركات التقنية بأن تلتزم بمسؤوليتها الأخلاقية قبل السعي نحو جني الأرباح، وتفعل كل ما يجب تفعيله من أجل تنقية هذه المنصات من المحتوى المبتذل والضار على أبنائنا، كما أدعو الدول إلى أن تكون أكثر صرامة أمام هذه الشركات لتخضع للمسؤولية الأخلاقية والإنسانية، ولا أستثني مسؤولية كل فرد؛ فنحن جميعا من نصنع محتوى هذه الأدوات، ونحن جميعا من يمكننا أن نغير بها المعادلة.