اليوم الدولي لليوجا بين الرياضة والأصول الدينية

23 يونيو 2026
23 يونيو 2026

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 2014م تخصيص 21 يونيو من كل عام يوما دوليا لليوجا (اليوغا)؛ لما فيه من فوائد رياضية وتنفسية ونفسية. وأصلها مشتق من اللغة السنسكريتية، وتعني الاتحاد أو الوصل أو الانسجام.

وتقوم على ثلاثة جوانب: الجانب الرياضي المتمثل في تمدد أعضاء الجسم، والجانب التنفسي المتمثل في طريقة ودرجات التنفس، والجانب النفسي المتمثل في التأمل والسكون والتخلص من التفكير والطاقة السلبية من خلال التناغم مع الجسد والطبيعة معا.

ارتبطت اليوجا بالثقافة الهندوسية قديما، ويصاحبها التأمل الطويل مع الذكر أو السكون، ومنها اكتشف سيدهارتا غوتاما في القرن الخامس وبداية السادس الميلادي ذاته، لتبدأ فلسفة دينية جديدة سميت بالبوذية القائمة على التحرر (النيرفانا) من خلال التأمل وكشف الذات، والمتمثلة في التفكير السليم، والقول السليم، والعمل السليم، أي طهارة التفكير من الشحونات السلبية، والقلب من الحسد والكبر والكراهية، والجسد من الأخلاق والسلوكيات السلبية. وماثل سيدهارتا في البوذية مهاويرا في الجينية، وعاش في الفترة الزمنية ذاتها، ويذكر صادق جواد سليمان (ت: 2021م) أنه «صام يومين ونصف يوم، ونتف شعر جسمه، وبدأ يجوب البلاد حافيا، وفي زي الزهاد والنساك، ولجأ إلى الزهد والجوع والتقشف، وغرق في التفكير، واهتم بالرياضة الصعبة القاسية، والتأملات النفسية العميقة، وكان أحيانا يعتكف في المقابر، ولكن أكثر وقته يمضيه متجولا في طول البلاد وعرضها، وكان يغرق في المراقبة إلى حد لا يشعر فيه بالحزن أو السرور، لا بالألم أو الراحة، وكان يعيش على الصدقات التي تقدم إليه».

وزرادشت قبل ألف عام من ميلاد المسيح قامت ديانته أيضا على الصمت والتأمل لتحرير الذات والباطن والجوارح من الطاقات والسلوكيات السلبية.

وتتلخص فلسفته في أن الأصل من هذا التأمل والامتثال يؤدي إلى التفكير الطاهر، والكلام الطاهر، والعمل الطاهر، فيتزن بهما ميزانا الخير والشر، فإذا انسجمت الثلاثة مع العقل والفكر توازن معه الخير والشر، والعكس صحيح.

ثقافة التأمل والعزلة ومراجعة الذات للتخلص من الطاقة والشحونات السلبية وجدت عند الأديان الإبراهيمية أيضا، ومنها صيام الصمت قديما، كقول مريم في القرآن {إِني نَذَرْتُ لِلرحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلمَ الْيَوْمَ إِنسِيا} «مريم: 26»، وفي المسيحية عموما عزلة الرهبان وصيامهم، وهي قائمة على التبتل والعزلة لأجل تطهير الباطن من كراهية الآخر، وتطهير اللسان والعمل من الأقوال الناتجة بسبب كثرة الخلطة كالغيبة والنميمة مع العيش، والاعتكاف في الأديرة والصوامع والبيع والبراري والأماكن البعيدة لأجل القرب من الخالق. والتبتل عادة انتشرت عند العرب قديما، ومنه قول امرؤ القيس (ت: 540م):

تضيء الظلامَ بالعشاء كأنها منارة مُمْسَى راهب متبتل

ويربط كونستانس جيورجيو (ت: 1992م) في كتابه «نظرة جديدة في سيرة رسول الله» بين الاعتكاف في الثقافة الهندية والثقافة العربية قبل الرسالة المحمدية وبعدها بقوله: إنه «لم يكن الذهاب إلى الغار في مكة، والانعزال فيه بالأمر غير الطبيعي، فمثل هذا كان يحدث في بلاد الهند؛ فبعد أن يرزق الهندي عدة أولاد ينفصل عن أسرته، ليحيا في الغابة وحيدا يمضي فيها مدة من الزمان يفكر في أسرار الخليقة».

تذكر الأدبيات التراثية «أربعة رموز اشتهروا مع النبي محمد بالتحنث أي الاعتكاف والتأمل، وهم ورقة بن نوفل (توفي ق هـ)، واعتنق النسطورية، وزيد بن عمرو (ت: 18 ق هـ)، وكان من الأحناف الباحثين عن الحقيقة، وقس بن ساعدة (ت: 23 ق هـ)، وكان من الرهبان المتنسكين، وأمية بن أبي الصلت (ت: 5هـ)، وكان من الأحناف أيضا. ويذكر ابن هشام (ت: 218هـ) بيتا لأبي طالب (ت: 3 ق هـ) يبين أن جبل حراء ذاته كان مأوى للمتنسكة والمعتكفين؛ إذ يقول:

وثورٍ ومن أرسى ثَبيرا مكانه

وراق ليرقى في حِراءَ ونازلِ»

ويذكر محمد حسين هيكل (ت: 1956م) في كتابه حياة محمد أنه «قد كان من عادة العرب إذ ذاك أن ينقطع مفكروهم للعبادة زمنا في كل عام، يقضونه بعيدا عن الناس في خلوة، يتقربون إلى آلهتهم بالزهد والدعاء، ويتوجهون إليها بقلوبهم، يلتمسون عندها الخير والحكمة، وكانوا يسمون هذا الانقطاع للعبادة التحنف والتحنث».

وهذه العادة بقت في الإسلام من خلال سنة الاعتكاف، وهي قائمة على الاعتزال والتأمل ومراجعة الذات، مع الانقطاع للذكر والعبادة، والابتعاد عن الدنيا. وبقت ثقافة التبتل والعزلة والانقطاع والتأمل عند المتصوفة والعرفانيين المسلمين. وكان في عُمان أماكن خاصة عرفت بمساجد العباد، وتبنى عادة قريبا من المقابر، وبعيدة عن خلطة الناس، وانتشرت بكثرة في عهد النباهنة ومن بعدهم، يكثر فيها التأمل والذكر والتبتل.

المتأمل في ثقافة الأديان عموما هي جامعة بين تأمل العقل، وذكر القلب، ورياضة البدن؛ فالصلاة مثلا في الأديان الإبراهيمية تأمل عقلي، وخلوص قلبي باطني، ورياضة جسدية تتمثل في المزاوجة بين القيام والركوع والسجود. نجد اليوم في الرياضات الصباحية ما يماثلها من انقطاع العقل في التأمل، والمزاوجة في الرياضة بين ما يشبه القيام والركوع والسجود، وتحريك أعضاء الجسد بطريقة رياضية متوازنة.

هذا الأمر ذاته في اليوجا؛ فهي وإن ارتبطت بالثقافات الفيدية في الهند قديما، لكن تمظهراتها وجدت عند جميع الأديان بما فيها الإسلام، وممارستها اليوم كممارسة رياضية لها ما يماثلها من رياضات طقوس الأديان الأخرى.

فلا داعي لهذه الحساسية المفرطة من البعض من حيث المبالغة في ثقافة المؤامرة، ولا يعني أن جميع ما يردنا من الخارج له خصوصية دينية خالصة، وينبغي دراسة مثل هذه الجوانب بصورة أكثر عقلانية، وبرؤية منفتحة لا برؤية أحادية كثيرة التوجس من الثقافات الأخرى، وسريعة في حكمها المسبق على النوازل، وعدم قراءة تطورها في تأريخ حركة الثقافة في الاجتماع البشري.