التوصل إلى اتفاق نووي سيكون أصعب من عام 2015
23 يونيو 2026
23 يونيو 2026
ترجمة: قاسم مكي
فـي يوليو 2015 عندما اجتمعت الوفود التي تولت التفاوض حول الاتفاق النووي الإيراني لآخر مرة في جنيف تقدم جون كيري وزير الخارجية الأمريكي وقتها لإلقاء كلمة.
قال إنه عندما كان شابا في فيتنام شاهد بشاعة الحرب، لكن اليوم «اختار بَلَدَانا (الولايات المتحدة وإيران) السلام بدل الصراع». لحظتها بدا التأثر الشديد حتى على بعض المفاوضين الإيرانيين المتمرّسين (اختنقوا بالعبرات).
مع دخول الولايات المتحدة وإيران الآن في مفاوضات تمتد إلى 60 يوما لحل المسألة النووية وتخفيف العقوبات إلى جانب القضايا الأخرى بالغة الأهمية كحرية عبور مضيق هرمز من المفيد النظر فيما يمكن أن تقوله لنا تجربة التفاوض حول اتفاق عام 2015 والمعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.
أولا، لن تكون مدة الستين يوما كافية. لقد استغرقت محادثات اتفاق خطة العمل الشاملة 20 شهرا. المطلوب المزيد من الوقت لأن القضايا فنية ومعقدة ويجب أن تكون حلولها مُحكَمة في ظل الانعدام التام للثقة. وهي لا تتعلق فقط بوقف التخصيب أو التخلص من اليورانيوم المخصب.
في مفاوضات اتفاق 2015 كانت هنالك عشرات القضايا الصعبة الأخرى. مثلا في نظام التفتيش غير المقيد، هل يمكن لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية زيارة أية مؤسسة عسكرية إيرانية؟ وما مدة الإخطار بذلك؟ كل هذه الأسئلة تتطلب إعادة النظر فيها.
كما سيكون هنالك جدل سياسي داخلي صعب حول ما يمكن أن يكون مقبولا مما سيجبر المفاوضين على تسويق أية تنازلات في الداخل.
أثناء مفاوضات الاتفاق النووي في عام 2025 رفضت الولايات المتحدة وعلى مدى أسابيع عديدة التزحزح عن موقفها الافتتاحي وهو ألا يكون هنالك أي تخصيب في إيران فيما أصر الإيرانيون على عدم خفض عدد أجهزة الطرد المركزي المركّبة. جاءت الإشارة السياسية لوفدي التفاوض بتحريك المفاوضات (تقديم تنازلات) فقط بعد استحالة التشبث بهذه المواقف الافتتاحية وتثبيتها.
تاريخيا، أبدى الإيرانيون استعدادا لتحمل ضغوط سياسية واقتصادية متطاولة سعيا وراء أهداف استراتيجية أطول أجلا. ومن المرجح الآن أن يتجه جيل جديد من الساسة القوميين والمدفوعين بالاعتبارات الأمنية إلى تغليب المرونة والمقاومة على أية تسوية سريعة. أصبحت البيئة السياسية في طهران متشددة إلى حد بعيد. فالقوات الأمنية، خصوصا الحرس الثوري، أكثر نفوذا. ويعتقد عديدون داخل الحرس أن العداوات ستُستأنف عاجلا أو آجلا والمحادثات مجرد استمرار للحرب بوسائل أخرى.
ثانيا، على الرغم من أن إيران قد تكون مستعدة للموافقة على قيود ذات معنى ومحددة زمنيا لبرنامجها النووي إلا أنها لن تقبل القضاء الكامل عليه؛ فهو يقترن على نحو وثيق جدا بالمكانة القومية والسيادة. كما كلَّف طهران الكثير. لقد رأت إيران ما حل ببلدان تخلت عن مساعيها النووية مثل: ليبيا وأوكرانيا.
ثالثا، عندما تتفاوض مع إيران سيكون لكل تنازل ثمن. في خطة العمل الشاملة المشتركة (اتفاق 2015) وافقت إيران على تكثيف الخطى في البداية مثل تدمير قلب مفاعل أراك للبلوتونيوم وتفكيك أجهزة الطرد المركزي في مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.
لكن شرط التخفيف لم يطبق أبدا بطريقة سليمة. وحتى عندما رفعت العقوبات رسميا كانت شركات عديدة مترددة في التعامل معها خشية من تغير المزاج في واشنطن.
لن تقع إيران في الخطأ نفسه مرة أخرى. فالتنازلات الكبيرة في المرحلة الأولى من الاتفاق سيلزم سداد ثمنها بإجراءات تبادلية مقدَّما تعتقد طهران بأنها واضحة للعيان ومستديمة ويصعب على القادة الأمريكيين في المستقبل النكوص عنها.
أنا لا أحسد المتفاوضين؛ لكن المذكرة التي وُقِّعت إلكترونيا يوم 17 يونيو بواسطة الولايات المتحدة وإيران تُظهر افتقارا للدقة مما سيتيح لكل جانب تفسيرها بطريقة مختلفة واتهام الجانب الآخر بسوء النية. هذا أمر إشكالي خصوصا في بيئة لا تدفع أيا من الجانبين الى الاعتقاد بأن من الممكن الوثوق بالجانب الآخر في صون العهود طويلة الأجل (في العام الماضي انتهت المفاوضات مرتين بضربات جوية).
أخيرا، ستكون هذه المفاوضات أشد تعقيدا من مفاوضات عام 2015 لأن بلدانا إضافية ستطالب بأن يكون لها صوت. كما ترى طهران الآن في «رافعة النفوذ» المتمثلة في السيطرة على مضيق هرمز عنصرا جوهريا في ردعها الإقليمي المتجدد.
وهذا تحول يؤثر على المصالح الحيوية للبلدان في الخليج وما وراءه. ولن تكون بلدانٌ عديدة على ثقة بأن الولايات المتحدة يمكن الاعتماد عليها لحماية مصالحها؟
إلى ذلك، ستراود إسرائيل خصوصا الرغبة في نسف اتفاق تعتبره كارثيا. ومن جانبها، تسعى إيران إلى ترتيبات إقليمية لتعزيز رادعها ضد الهجمات الإسرائيلية في المستقبل.
لقد خسر كل بلد جُرجِر إلى الصراع في الخليج بصرف النظر عما يقوله في العلن. لكن يوحي التوقيع على مذكرة التفاهم بأن إيران والولايات المتحدة لا تريدان العودة الى الحرب الشاملة.
إذا كانت النتيجة مفاوضاتٍ مطوّلة وفوضوية (مع تمديدات متكررة للموعد النهائي تتخللها تقلبات مفاجئة ومستمرة فيما تتسابق إيران والولايات المتحدة لتعزيز مواقفهما التفاوضية) قد لا تكون تلك هي المحصلة الأسوأ.
سايمون جاس سفير بريطاني سابق لدى إيران وكبير المفاوضين البريطانيين في المحادثات النووية مع إيران في اتفاق عام 2015، وهو الآن مستشار أول لشركة الاستشارات الجيوسياسية وتحليل المخاطر «أس سي ستراتيجي»
الترجمة عن الفاينانشال تايمز
