تقرير «رويترز» وتراجع الثقة في الأخبار

23 يونيو 2026
23 يونيو 2026

ما زلت أتذكر كيف كنت أحرص وأنا تلميذ في مدرسة أحمد عرابي الإعدادية على الوقوف طوال فترة الفسحة أمام الصحيفة التي كانت إدارة المدرسة تثبتها يوميًا على الحائط.

كان المشهد بسيطًا: صفحتان متقابلتان، عناوين سوداء كبيرة، صور قليلة، وعدد محدود من التلاميذ يتوقفون أمامها لحظات قبل أن يندمجوا في صخب الفسحة.

كنت أعود إلى تلك الوقفة كل يوم بشيء من الشغف والفضول، كأنها موعد صغير لا أريد أن يفوتني.

كنت أقف أمام الصحيفة كما يقف المرء أمام نافذة تطل على أماكن بعيدة من العالم، لا سبيل إلى بلوغها إلا بالكلمات المطبوعة.

في أيام الإجازات كان الأمر مختلفًا؛ كنت أمشي من قريتي إلى أقرب مكان تُباع فيه الصحف في مدينة كفر الدوار، وأعود محملًا بما أجده من جرائد، وما يتيسر لي شراؤه من المجلات الأسبوعية وكتب الألغاز بقروشي القليلة التي كنت أدخرها من مصروفي اليومي المتواضع طوال الأسبوع. لم تكن الصحيفة في متناولنا في كل لحظة، ولم تكن الأخبار تدخل إلينا دون استئذان. كان السعي إلى المعرفة يحتاج إلى مشقة وانتظار، وإلى قبول ما تتيحه الجريدة أو الإذاعة أو نشرة التلفزيون المسائية.

كانت مصادر الأخبار قليلة، لكنها كانت تمنح قارئها إحساسًا بأن العالم قابل للفهم، وأن الأحداث المهمة يمكن أن تجد لها مكانًا في الأخبار.

بمرور السنوات تغيرت علاقتي بهذا العالم الذي أحببته مبكرًا. دخلت الصحافة من باب الدراسة، ثم من باب المهنة، وأخيرًا من باب التعليم.

تعلمت أن الخبر ليس مرآة للحقيقة، وإنما إعادة صياغة ما جرى، ويشارك في تشكيله من ينتجه ومن ينشره ومن يختار توقيت ظهوره.

هناك دائمًا اختيار، وحذف، وتقديم، وتأخير، وتسمية، وتأطير. كلمة واحدة قد تنقل القارئ من معنى إلى آخر، وعنوان واحد قد يضع الحدث في طريق آخر. لم أفقد احترامي للصحافة، لكنني فقدت البراءة الأولى في النظر إلى ما تنشره الصحف وما يقوله الراديو.

صرت أقرأ الخبر وفي ذهني خلفيته، ومن كتبه، ومن يملكه، ومن يستفيد من طريقته في القول، وما الذي غاب عنه وما الذي حضر فيه.

عادت هذه الذكريات إليّ وأنا أقرأ تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 الصادر الأسبوع الماضي عن معهد رويترز لدراسة الصحافة. لم أقرأه بوصفه تقريرًا سنويًا جديدًا عن اتجاهات الإعلام الرقمي فقط، وإنما أيضا بوصفه مرآة لما آلت إليه علاقة الناس بالأخبار، وما يواجهه العاملون في الإعلام ومؤسساته وهيئاته من تحديات تتجاوز الأرقام إلى جوهر المهنة نفسها.

يكشف التقرير الطريق الطويل الذي قطعته الأخبار من زمن الندرة إلى زمن الوفرة. كانت الصحيفة المثبتة على حائط المدرسة تنتظر من يذهب إليها، بينما يحمل الهاتف المحمول اليوم إلى صاحبه مئات العناوين الإخبارية في اللحظة نفسها. وفي هذه المسافة تغيرت علاقة الإنسان بالخبر على نحو جذري. صار الخبر حاضرًا في الجيب وعلى الشاشة وفي التنبيهات العاجلة، ويتدفق من مواقع ومنصات ومقاطع ورسائل لا تتوقف. وبعد أن كان الوصول إليه يحتاج إلى جريدة تُقرأ في موعدها أو نشرة مسائية ينتظرها الناس، أصبح اليوم جزءًا من إيقاع يومي سريع لا يترك للمتلقي وقتًا كافيًا للفحص والاطمئنان. هذا التدفق لم يجعل الأخبار أكثر دقة، بل جعل الطريق إلى الثقة بها أكثر صعوبة.

يرسم تقرير رويترز صورة لعالم تهتز فيه الثقة بالأخبار، وتتقدم فيه المنصات الاجتماعية ومقاطع الفيديو القصيرة، وتدخل أدوات الذكاء الاصطناعي طرفًا جديدًا في إنتاج الأخبار وتلخيصها وتوزيعها. وتعكس هذه الصورة علاقة مضطربة بين الإنسان المعاصر والحقيقة؛ فالأخبار صارت أقرب إلى الناس من أي وقت مضى، تتدفق بسرعة من مصادر لا حصر لها، وتصل محملة بقدر كبير من الالتباس، فلا تمنحهم دائمًا فهمًا أوضح لما يجري، ولا ثقة أعمق بما يتلقونه.

كانت الصحيفة الورقية، بندرتها وبطء إيقاعها، تفرض نوعًا من النظام على الأخبار. الصفحة الأولى تُخصص للأخبار الأكثر أهمية، والمساحات موزعة بعناية، ومواعيد الصدور تضبط العلاقة بين الحدث والقارئ. ومن داخل هذا النظام كانت المؤسسة الصحفية تملك سلطة واضحة في ترتيب الأولويات وتحديد ما يتقدم وما يتأخر. ومع انتقال الأخبار إلى المنصات، خرج الخبر من حدود الورق والمواعيد الثابتة، ودخل في نظام آخر تحكمه الخوارزميات وحسابات الانتباه والتفاعل. لم يعد الانتشار مرتبطًا دائمًا بالأهمية، فقد صار الخبر السلبي يجد طريقه للنشر بشكل أسرع، والمقطع الصادم يتقدم على التحليل الهادئ، والجملة المقتطعة تنتشر قبل نشر السياق الذي يفسرها.

يقول تقرير رويترز 2026 إن الثقة في الأخبار تراجعت عالميًا إلى 37%، وهو أدنى مستوى منذ بدأ المعهد قياس هذا المؤشر عام 2015، ويشير إلى أن هذا التراجع شمل 29 سوقًا من بين 48 سوقًا تناولها. وتكشف هذه الأرقام علاقة أكثر قلقًا وحذرًا بين الجمهور والأخبار؛ فالناس ما زالوا يتابعون ما يجري حولهم، غير أن المتابعة لم تعد مصحوبة بالثقة نفسها، ولم يعد الجمهور يصدق بسهولة كل ما يقرأه أو يسمعه.

ويضع التقرير هذا التراجع في سياق أوسع من القلق السياسي والاقتصادي والتكنولوجي الذي يعيشه العالم، ومن تراجع الثقة في المؤسسات والقادة، وتزايد الهجمات السياسية على الصحافة في عدد من البيئات. كما يربطه بتغير طريقة استهلاك الأخبار نفسها، بعد أن انتقل جانب كبير منها إلى المنصات الاجتماعية ومقاطع الفيديو القصيرة وغرف الخوارزميات. يشعر الجمهور بهذه التحولات عندما يقرأ عنوانًا مبالغًا فيه، أو يرى تغطية تميل بوضوح إلى طرف دون آخر، أو يلاحظ أن بعض الحقائق تُقال كاملة، وبعضها يُقال ناقصًا، وبعضها يغيب تمامًا. وعندما يتكرر هذا الشعور، تبدأ الثقة في التآكل.

في عالمنا العربي تبدو هذه القضايا أكثر حساسية؛ لأن الثقة في الأخبار تتشكل داخل تاريخ طويل ومعقد من العلاقة بين الإعلام والسلطة، وطبيعة ملكية المؤسسات الإعلامية، وحدود حرية التعبير، وذاكرة الجمهور مع الدعاية السياسية، والانتشار الواسع للأخبار عبر تطبيقات مغلقة يصعب تتبع مصادرها. لذلك يجد الجمهور نفسه أمام فيض من المعلومات يحتاج إلى فرز دائم بين الخبر والدعاية، وبين التحليل والتعبئة، وبين النقد والتشهير، وبين الحقيقة وما يشبه الحقيقة. ومن هذه الزاوية تكشف القراءة العربية لتقرير رويترز أن أزمة الثقة تتجاوز الرقم العالمي، لتصبح حالة مركبة تتداخل فيها السياسة والتكنولوجيا، والثقافة، والخوف، والاستقطاب.

من اللافت هنا أن الحضور العربي في تقرير رويترز 2026 جاء محدودًا للغاية؛ فالمغرب هو السوق العربي الوحيد الذي يتناوله التقرير ضمن الأسواق الثمانية والأربعين. هذا الحضور المحدود لا يقلل من أهمية التقرير، لكنه يذكّرنا بأن القراءة العربية له يجب أن تكون حذرة، وأن الحاجة أصبحت ملحة إلى دراسات عربية أوسع تقيس علاقة الجمهور بالأخبار بوصفها تجربة لها خصوصيتها السياسية والثقافية والإعلامية.

لقد انتهى زمن الثقة الموروثة في الأخبار، وبدأ زمن الثقة التي تُكتسب كل يوم. ولذلك فإن الصحافة التي تريد أن تبقى لا يكفيها أن تصل إلى الجمهور بسرعة، أو أن تنافس المنصات في الإثارة، أو أن تجاري الخوارزميات في مطاردة الانتباه.

ما تحتاجه قبل ذلك كله أن تستعيد وظيفتها الأولى، وهي أن تساعد الناس على فهم ما يجري حولهم، وأن تحترم عقولهم، وأن تقول لهم ما تعرفه بصدق، وما لا تعرفه بشجاعة. فمستقبل الصحافة لن يصنعه الخبر الأسرع، بل الخبر الأصدق، والأعمق، والأكثر احترامًا لحق الناس في المعرفة.