هل تصمد الاتفاقات الإبراهيمية أمام استراتيجية إسرائيل الإقليمية؟

23 يونيو 2026
ترجمة: أحمد شافعي
23 يونيو 2026

الآن وقد وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم يمكن أن تؤدي إلى اتفاقية سلام، آن الأوان لتأمل مستقبل الاتفاقيات الإبراهيمية التي ترتبط -وفقا للفهم الأمريكي- بمستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية.

في الشهر الماضي، كشف الرئيس دونالد ترامب عن طلبه من المملكة العربية السعودية وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية جماعيا لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، رابطا هذه الخطوة بإيقاف الحرب مع إيران، فكانت استجابة هذه الدولة جميعا فاترة إن لم تكن عدائية.

عند توقيع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين على الاتفاقيات الإبراهيمية في عام 2020، ثم انضمام المغرب والسودان إليها لاحقا، قيل إن الاتفاقية تمثل نقطة تحول تاريخية في سياسات الشرق الأوسط. وبدا أن الاتفاقية تغير الرأي السائد لعقود إذ أظهرت أن الدول العربية مستعدة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بدون حل القضية الفلسطينية أولا. وبدا أن الفرص الاقتصادية والاهتمامات الأمنية المشتركة قد طغت أخيرا على مركزية المسألة الفلسطينية في العلاقات العربية الإسرائيلية.

ومثلت الاتفاقية -في نظر أنصارها- نشوء نظام جديد في الشرق الأوسط بإشراف أمريكي. وفيه تستفيد دول الخليج من التكنولوجيا والاستثمار الإسرائيليين، وتحظى إسرائيل بشرعية إقليمية وفرص اقتصادية. والأهم على الإطلاق أن الدول العربية وإسرائيل سوف تتعاون على مواجهة ما تعده التهديد الأساسي للاستقرار في المنطقة، أي إيران. وكان مفهوما ضمنيا أن الولايات المتحدة سوف تضمن أمن جميع البلاد الموقعة وسوف تساعد في التنسيق بين استراتيجياتها إزاء إيران.

غير أن مستقبل الاتفاقيات الإبراهيمية يبدو بعد ست سنين أقل أمنا مما توقع له المخططون لها؛ فالتدمير والتطهير العرقي الفعلي اللذان أحدثتهما إسرائيل في غزة واستمرارها في محو آفاق الدولة الفلسطينية بسبب زحفها لضم الضفة الغربية، واتساع هوة الاختلافات بين إسرائيل وشركائها العرب في الأمن الإقليمي، قد فضحت الضعف البالغ في مشروع التطبيع. ثم جاءت الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وما نجم عنها من جمود استراتيجي فزادا من فضح العيوب الكامنة في هذا المشروع.

وعليه فإن دول الخليج تعيد تقييم الافتراضات الاستراتيجية الأساسية الثلاثة التي قام عليه التطبيع، وهي:

أولا: إن إيران تمثل التهديد الأساسي للأمن الإقليمي.

ثانيا: إن إسرائيل يمكن أن تكون شريكا استراتيجيا ذا قيمة في مواجهة هذا التهديد.

ثالثا: التطبيع سوف يسهم في نظام إقليمي أكثر استقرارا مع تيسير التحديث الاقتصادي والتعاون التكنولوجي.

لا يزال المنطق الاقتصادي قائما على حاله إلى حد كبير. أما المنطق الاستراتيجي فبات عرضة لضغط كبير يوشك أن يصل إلى نقطة الانهيار. فلا تزال لدى أنظمة الحكم في الخليج تحفظات على مطامح إيران الإقليمية وبرنامجها النووي. لكنها اتبعت خلال السنوات العديدة الماضية سياسات ترمي إلى تقليل التوترات مع طهران. إذ انعكس اتجاه إقليمي أوسع في استعادة العلاقات الدبلوماسية السعودية مع إيران سنة 2023 بوساطة صينية. فحتى اندلاع الحرب كانت الإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عمان ودول أخرى في الخليج تزداد تركيزا على وقف التصعيد واللجوء إلى الدبلوماسية بدلا من المواجهة.

وانعكس في هذا التحول تغير في الأولويات؛ فحكومات الخليج اليوم أكثر تركيزا على التحول الاقتصادي. إذ تعتمد رؤية 2030 السعودية ومبادرات مماثلة في أماكن أخرى على اجتذاب الاستثمار الأجنبي وتوسيع السياحة وتطوير البنية الأساسية والمزيد من الدمج لاقتصاداتها في الأسواق العالمية. ومثل هذه المطامح تستوجب استقرارا إقليميا لا صراعا.

وعلى هذه الخلفية أوجدت السياسات الإسرائيلية درجة عالية من القلق توشك أن تكون نذيرا لدول الخليج العربية. ولقد كان اجتياح غزة وارتفاع مستوى وفيات المدنيين الفلسطينيين هما بلا شك أهم العوامل المحفزة. كما أن حجم الدمار ومعاناة المدنيين قد أثارا غضبا غير مسبوق في العالم العربي، فبات الغالب على الرأي العام في البلاد التي طبعت العلاقات مع إسرائيل هو العداء لاستمرار العلاقات. والحكومات التي أبرزت ذات يوم فوائد التعاون تجد نفسها على نحو متزايد مرغمة على النأي بنفسها عن الأفعال الإسرائيلية.

لكن المخاوف الخليجية تتجاوز غزة؛ فالتوسع المستمر في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وما يتصل بذلك من هجمات المستوطنين على السكان الفلسطينيين، والضم الفعلي التدريجي للأراضي الفلسطينية أقنع الكثير من المراقبين العرب بأنه لا مصلحة لإسرائيل في أن يكون حل الدولتين قابلا للحياة. والواقع أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والعديد من زملائه في مجلس الوزراء أوضحوا مرارا أنهم معارضون بشدة لإقامة دولة فلسطينية مجاورة لإسرائيل.

يبدو على نحو متزايد أنه لا يمكن الدفاع الآن عن الافتراض بأن التطبيع يمكن أن يستمر برغم عدم حل القضية الفلسطينية. وتشير التطورات الجارية على الأرض إلى أن التهميش الدائم للمطامح الوطنية الفلسطينية والتهجير والطرد المتكررين للفلسطينيين سوف تتسبب في مشكلات لاجئين ضخمة لجيران إسرائيل.

والمهم بالقدر نفسه أن انزعاج الخليج توسع ليشمل سلوك إسرائيل الأعم في المنطقة. فقد سببت الضربة الإسرائيلية للدوحة في سبتمبر من العام الماضي توترات مع أحد أقرب حلفاء واشنطن في المنطقة وأظهرت إسرائيل باعتبارها شريكا غير مضمون. وفي المقام الأكبر، ازداد قلق أنظمة الحكم في الخليج بسبب نهج إسرائيل متزايد العدوانية تجاه إيران وجهودها المستمرة لتشجيع مزيد من الضغط العسكري الأمريكي على طهران.

إذ تدرك هذه الأنظمة أن إسرائيل دفعت واشنطن إلى ضرب إيران بالاشتراك معها في يونيو 2025 ثم في فبراير 2026 لتحقيق هدف خاص بها هو الحفاظ على الهيمنة العسكرية في الشرق الأوسط دونما مبالاة بالاستقرار الإقليمي الذي يمثل شاغلا جوهريا لدول الخليج.

وتمثل سياسات إسرائيل الراهنة تجاه لبنان، وخاصة استمرارها في القصف والاحتلال لأجزاء من البلد برغم تكرار توبيخ الرئيس ترامب، إشارات واضحة إلى أنها تخطط لأن تكون السبب الرئيسي لإفساد ومنع اتفاقية سلام بين واشنطن وطهران. وقد أضاف هذا المزيد من التخوفات لدى البلاد العربية من أن إسرائيل حريصة على استمرار القلاقل في الشرق الأوسط لأن هذا يتلاءم مع هدفها المتمثل في الهيمنة الدائمة على المنطقة.

يمثل هذا أكبر التحديات التي تواجه مستقبل الاتفاقيات الإبراهيمية. ففي حين أن إسرائيل ترى إيران العقبة الكبرى في وجه هيمنتها الإقليمية، وتستوجب عملا عسكريا لتحييد صواريخها البالستية وقدراتها النووية، تتخوف دول الخليج من سياسات تخاطر بإطلاق شرارة حرب إقليمية أخرى. ولقد أوضح الصراع الأخير أن أي مواجهة كبيرة الحجم مع إيران سوف تجري في أراضي جيرانها وعلى حسابهم، وأن بنية الطاقة الأساسية لدى أولئك الجيران ومسارات الشحن والمناخ الاستثماري ومشاريع التنمية الاقتصادية ستكون ضمن أولى خسائر هذا الصراع.

ولقد ثبتت صحة هذا منذ هجمات فبراير على إيران. إذ ردت طهران باستهداف البنية الأساسية الصناعية والاقتصادية في دول الخليج مما أدى إلى إبعاد المستثمرين والعمالة الوافدة كما أدى إلى عواقب سلبية على اقتصاداتها. وأوقف إغلاق مضيق هرمز دولا خليجية عديدة عن تصدير الغاز والنفط. ونتيجة لذلك تزداد رؤية العديد من صناع السياسة في الخليج للتعارض بين أولوياتهم الأمنية وأولويات إسرائيل. وهذا يمثل تغيرا لافتا. فقد كان مبرر الاتفاقيات الإبراهيمية إلى حد كبير هو الاحتجاج بأن إسرائيل ودول الخليج تشترك في اعتبار إيران المصدر الأساسي للاضطراب في الشرق الأوسط. واليوم، في حين أن التخوفات المتعلقة بإيران لا تزال باقية، بدأ كثير من المراقبين في الخليج يرون إسرائيل باعتبارها خطرا أكبر كثيرا على الاستقرار الإقليمي وعلى أمنهم الخاص.

لا يعني هذا ترجيح انهيار الاتفاقات الإبراهيمية على الفور. لكن لا ينبغي الخلط أيضا بين البقاء والنجاح. فالاختبار الأهم لهذه الاتفاقيات يتعلق بالمملكة العربية السعودية. وكان من شأن اتفاقية تطبيع سعودية إسرائيلية مدعومة بضمانات أمنية أمريكية أن تغير توازن القوى الإقليمي وتمثل واسطة عقد إنجازات الاتفاقات الإبراهيمية. وكان من شأن مشاركة المملكة العربية السعودية أن تمنح درجة من الشرعية السياسية لعملية التطبيع لا يمكن لدول الخليج الأصغر أن توفرها. كما أن ذلك كان ليمثل إشارة إلى أن اندماج إسرائيل في المنطقة بات واقعا لا يمكن التراجع عنه.

اليوم، تبدو مثل هذه النتيجة أبعد منالا. إذ أكد قادة سعوديون مرارا أن التطبيع لا يمكن أن يتقدم في غياب حركة ذات مصداقية باتجاه إقامة دولة فلسطينية. والمجازر والتشريد بحق المدنيين الفلسطينيين جعلا توسيع العلاقات مع إسرائيل أمرا لا يمكن أن يدافع عنه.

ولذلك فإن مستقبل الاتفاقات الإبراهيمية يقوم على أكثر من محض الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية القائمة. فهو يقوم على ما لو أن من الممكن استعادة التوافق الاستراتيجي الذي أنتجها. وهو ما يبدو مستبعدا في المدى القريب وشديد الإشكالية في المدى البعيد في ضوء سياسات إسرائيل الراهنة.

فلم يعد السؤال المركزي هو السؤال عما لو أن الحكومات العربية قادرة على التعايش مع إسرائيل. وإنما السؤال هو ما لو أنها قادرة على الاستمرار في رؤية إسرائيل باعتبارها ذات إسهام في الاستقرار الإقليمي. وإجابة ذلك السؤال سوف تحدد ما لو أن الاتفاقات ستبقى مجموعة محدودة من الاتفاقيات الثنائية قد تتلاشى قيمتها بمرور الوقت أو تتطور حتى تصبح أساس نظام إقليمي جديد وذلك ما قاله بعض المحللين.

لعل مستقبل الاتفاقيات الإبراهيمية يعتمد في نهاية المطاف على استعداد العرب لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بقدر أقل مما يعتمد على استعداد إسرائيل لإقناع شركائها العرب بأنها تسعى إلى استقرار الشرق الأوسط أكثر مما تسعى إلى المواجهة المستمرة التي ستفضي إلى مستوى شديد الارتفاع من زعزعة الاستقرار في المنطقة. وإلى أن يجاب هذا السؤال، قد تبقى الاتفاقيات على المستوى الشكلي، لكن إمكانية توسيعها سوف تزداد بعدا على بعد، وهذا سيجعلها هامشية، إن لم يفقدها قيمتها تماما في إقامة نظام إقليمي مستقر وآمن في الشرق الأوسط.