هل يفضي الذكاء الاصطناعي إلى وفرة بلا غرض؟

23 يونيو 2026
23 يونيو 2026

في رواية كورت فونيجت الصادرة عام 1952 بعنوان Player Piano، تتمكن الآلات من أتمتة معظم الصناعات (تشغيلها آليا)، وتُبقي على قِـلة قليلة من المهندسين والمديرين للإشراف على سير الأمور. أما بقية البشر، فتتولى الدولة توفير الطعام والسكن لهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء القيام بأي عمل.

هل كان فونيجت نافذ البصيرة؟ من غير الممكن بطبيعة الحال أن نعرف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي ليجعل نسبة كبيرة من الأيدي العاملة زائدة عن الحاجة. لكننا نعلم بالفعل أن الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات على بُـعدين حَـرِجين من أبعاد الارتقاء البشري: السعادة والمعنى.

عندما يتعلق الأمر بالسعادة، من المفترض أن تجعلنا أتمتة قسم كبير من عملنا أكثر ثراء، في المتوسط، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى قدر أعظم من الرضا عن الحياة. تشير الأبحاث إلى أن مضاعفة دخلك ترفع تقييمك لحياتك بذات القدر، سواء كنت غنيا أو فقيرا. التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي هنا يتعلق بإعادة التوزيع.

ويختلف الأمر عندما نتحدث عن المعنى. كما توضح بيتسي ستيفنسون من جامعة ميتشيجان في تحليلها للأدلة المستقاة من مختلف البلدان، لا يتبع المعنى والغرض المعلن عنهما نمو الدخل بذات الطريقة. يزودنا العمل بما هو أكثر من المال. فالبطالة تضر بالصحة العقلية حتى عندما يُـعَوّض عن الدخل بالكامل. إلى جانب الراتب، يمنحنا العمل هيكلا نظاميا وشعورا بالانتماء، فضلا عن المكانة والمساهمة. هذه الخواص من غير الممكن أن يُـعاد توزيعها بسهولة.

الواقع أن الذكاء الاصطناعي يهدد المعنى بثلاث طرق على الأقل. لكي يقوض إحساسك بالغرض، لا يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي أفضل منك بالضرورة، بل يكفي أن يكون ملائما من الناحية الوظيفية وأرخص.

من المقبول أن يتفوق عليك شيء غير عادي حقا، أما أن تصبح عديم الأهمية بسبب شيء يفي بالغرض فحسب فهو أمر آخر.

علاوة على ذلك، من الممكن أن يستحوذ الترفيه والرفقة المدعومين بالذكاء الاصطناعي على وقت الناس وشهيتهم الاجتماعية بالقدر الكافي لإزاحة الأنشطة الأكثر تحفيزا التي تولد المعنى. من خلال تقديم إحساس سلس بالتواصل، يزاحم الذكاء الاصطناعي الجهد - الالتزامات، والمعاملة بالمثل، ونكران الذات، والمتاعب أو المنغصات - اللازم لتعزيز العلاقات الحقيقية. والرفقة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي لا تطلب منا شيئا. إنها أشبه باستهلاك متنكر في ثوب التواصل.

لقد أعادت الحياة الرقمية بالفعل تشكيل التواصل البشري، ولم يكن ذلك دائما للأفضل. في مختلف بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، انحدر التفاعل المباشر بين الناس، ويرتبط الاستخدام المكثف لوسائط التواصل الاجتماعي بانخفاض مستوى الرفاهة بين الشباب. لا يُعزى أي من هذا إلى الذكاء الاصطناعي (حتى الآن)، لكنه يشير إلى أن التواصل الرقمي الأسهل لا يعمق التنوع البشري على نحو يمكن التعويل عليه. تميل الراحة إلى أن تكون هي الغالبة، حتى عندما يدرك الناس أن البديل أفضل لهم.

أخيرا، نادرا ما ينشأ المعنى من حالة الراحة. بل ينبع من الجهد المبذول في خدمة هدف مُختار، سواء كان تربية طفل أو إتقان حرفة ما. وما يقدّره الناس، عند النظر إلى الوراء، ليس الراحة أو اليُسر، بل الكفاح من أجل تحقيق غاية ذات أهمية.

إذا أزال الذكاء الاصطناعي الاحتكاك على نطاق واسع، فقد يزيل إحدى المواد الخام التي يُصنع منها المعنى. ربما يفسر هذا السبب وراء إعلان المجتمعات الأكثر ثراء عن شعور أعظم بالراحة في غياب هدف أكبر.

صحيح، أن العمل لن يختفي بالكامل حتى لو تجاوز الذكاء الاصطناعي قدرات البشر. فلم يتوقف البشر عن لعب الشطرنج عندما تفوقت عليهم أجهزة الكمبيوتر. لا يزال الناس يركضون، ويطبخون، ويؤلفون الموسيقى، ويصنعون الأثاث، ويدفعون مبالغ إضافية مقابل العروض الحية. فالمعنى ينبع من المنافسة، والإتقان، والتعبير عن الذات ضمن قيود على نطاق بشري، وليس من توليد مخرجات مثالية. إن قيمة الجهد البشري من الممكن أن تنمو حتى مع تراجع الأداء البشري.

لكن هذا المبدأ ليس بلا حدود؛ فهو ينطبق حيثما تكون الأنشطة اجتماعية، ومُـجَسَّدة، وتحكمها تقاليد ممارسة الهواة، لكنه لا ينطبق عندما يكون المعنى نابعا بالكامل من المكانة المهنية أو الضرورة الاقتصادية.

كانت الشطرنج دوما لُعبة حتى لو جعلها بعض الناس وظيفة؛ ولا يمكننا أن نقول الشيء ذاته عن المحاسبة الإدارية. علاوة على ذلك، حتى في الحالات حيث يظل المعنى باقيا، فإنه سيكمن في العملية ذاتها وليس النتيجة. قبل البطولة المفتوحة عام 2025، قال سكوتي شيفلر إن الفوز بكأس الجولف أمر مُرضٍ لكنه عابر «رائع لمدة دقيقتين». العمل اليومي الذي ينطوي على إتقان هو ما يمنحنا إحساسا بالمعنى أكثر ديمومة.

يردد أنصار الذكاء الاصطناعي مقولة شائعة ومطمئنة مفادها أن مشكلة المعنى ستحل نفسها بنفسها: إذا مَنَحَنا الذكاء الاصطناعي مزيدا من الوقت، فسوف نصبح أكثر ارتباطا بالأسرة، والمكان، والمجتمع، كما كانت حال الناس قبل أن يربط عصر التصنيع المعنى بالعمل المأجور. ربما ينطبق ذلك على بعض الناس. لكن الانتماء في عصر ما قبل الصناعة كان مدعوما بظروف -مثل القدرة المحدودة على التنقل، والتزامات القرابة، والدين، والضرورات المحلية- كانت في كثير من الأحيان مُـقَيِّدة وأحيانا قمعية. لا ينبغي لنا أن نتمنى عودة تلك الظروف، كما أنها لن تعود من تلقاء ذاتها مع انتشار أوقات الفراغ على نطاق واسع.

الوفرة المادية وحدها لا تعيد إنشاء الهياكل التي كان المعنى يُستمد منها في الماضي. لنتأمل هنا حالة السويد. فهي تجمع بين دولة الرفاهة القوية ومستوى مرتفع للغاية من الرضا عن الحياة، مع نسبة كبيرة إلى حد غير عادي من الأسر المكونة من فرد واحد، فضلا عن أدلة تؤكد أن المعنى الذي يجده الشباب في حياتهم أقل من نظيره بين أولئك الأكبر سنا.

بطبيعة الحال، سوف تظهر بعض المعاني بشكل طبيعي. لكن السؤال هو ما إذا كانت لتصبح محسوسة على نطاق عريض بالقدر الذي يجعلها تحل محل ما كان يوفره العمل في الماضي. ولا يوجد سبب يُذكر قد يحملنا على افتراض حدوث مثل هذا الأمر. قد يقلل الدخل المرتفع من مستويات التوتر والإجهاد، لكنه لا ينتج بالضرورة دورا يعتمد عليه آخرون، أو مجتمعا يلاحظ غيابك، أو تحديا يستحق النضال. فمثل هذه الأمور تستلزم تقاليد مشارَكة فعّالة ومؤسسات تدعمها.

المؤسسات التي كانت توفر في الماضي مصادر للمعنى - النقابات، والمهن، والكنائس، والمدارس، والجمعيات المدنية - بُنيت على مر الزمن، من خلال مزيج من المبادرات المحلية والدعم العام. وسوف ينطبق الأمر ذاته على ما سيأتي لاحقا. بوسعنا أن نفكر في الأمر على أنه بنية أساسية للمعنى: المؤسسات التي يجد الناس من خلالها الأدوار، والتقدير، والشعور بأنهم مطلوبون.

ما يجعل مثل هذه المؤسسات مستدامة ليس النوايا الحسنة، بل مبدأ بسيط: يجب أن تأتي المكانة في أعقاب الأداء. احضر بانتظام وسوف تكتسب صوتا مسموعا. أتقن حرفة فتكتسب التقدير. أرشد آخرين فتكتسب المكانة. تحمل المسؤولية عن مهمة مشتركة فتكتسب السلطة.

بعيدا عن إنهاء التنافس على المكانة، لن تفعل الوفرة أكثر من إعادة توجيهها. ومن ثم، يجب أن يكون هذا التنافس الجديد متحضرا، من خلال توسيع نطاق ما يُعتبر مساهمة تستحق التكريم. سوف تختلف طريقة حدوث ذلك من مكان إلى آخر. سوف تجد المجتمعات؛ حيث الأُسَر قوية، والمؤسسات المدنية متماسكة، والثقة الاجتماعية عالية أن تحقيق هذه الغاية أسهل؛ أما تلك التي تفتقر إلى مثل هذه العناصر فسوف تضطر إلى البناء من الصفر. لكن التحدي سيكون هو ذاته في كل مكان، ولن تحله أي درجة من الوفرة.

كارل بينيديكت فراي الأستاذ المشارك في الذكاء الاصطناعي والعمل في معهد أكسفورد للإنترنت، ومؤلف كتاب «كيف ينتهي التقدم: التكنولوجيا والابتكار ومصير الأمم».

خدمة بروجيكت سنديكيت