البنسلين والقوة الأمريكية
04 فبراير 2026
04 فبراير 2026
عندما نفكر في الإبداع في زمن الحرب، فإننا نتخيل عادة اختراقات دراماتيكية: نجاح ألان تورينج في فك شفرة إنجما (Enigma) النازية، واختراع الرادار، وتطوير مشروع مانهاتن للقنبلة الذرية. لكن إبداعا بيولوجيا أقل بروزا ــ إنتاج البنسلين بكميات ضخمة ــ كان له ذات القدر من التأثير التحويلي.
على الرغم من نجاح ألكسندر فليمنج في تحديد خصائص البنسلين المضادة للبكتيريا في عام 1928، فإنه ظل هشًا، وغير مستقر، وكان من المستحيل تقريبًا إنتاجه بكميات كبيرة لأكثر من عقد من الزمن.
لم يتحول البنسلين إلى علاج يمكن إنتاجه، وتوزيعه، واستخدامه على نطاق واسع إلا أثناء الحرب العالمية الثانيةـ ولم يكن من الممكن أن تصبح المخاطر أعلى مما كانت عليه.
تشير التقديرات المستمدة من السجلات العسكرية إلى أن ما يقرب من 12-15% من الجنود الذين أصيبوا في معارك الحرب العالمية الأولى توفوا بسبب عدوى بكتيرية. بالنسبة لبعض الإصابات ــ وأشهرها كسور عظم الفخذ ــ بلغت معدلات الوفيات 80%، ويرجع هذا بالكامل تقريبًا إلى مضاعفات ما بعد الإصابة.
كان البقاء على قيد الحياة يتوقف غالبا على الحظ المحض أكثر من اعتماده على شدة الإصابة.
بحلول السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وبمجرد أن بدأ الحلفاء في إنتاج البنسلين على نطاق واسع، تغيرت النتائج الطبية بشكل جذري. تظهر السجلات العسكرية معدلات شفاء من العدوى بلغت نحو 95%، لتتجاوز بأشواط فعالية المطهرات وأدوية السلفا السابقة. انخفضت معدلات الوفيات من عدوى الجروح المماثلة إلى حوالي 3-4%، وتشير بعض تقديرات إلى أن البنسلين منع عشرات الآلاف من عمليات البتر التي كانت ضرورية في السابق لوقف انتشار الموات (الغرغرينا).
على ذات القدر من الأهمية، قلل استخدام البنسلين بشكل حاد من أوقات التعافي، وقَصَّر فترة النقاهة من شهور إلى بضعة أسابيع فقط.
كان إنتاج البنسلين بكميات ضخمة على جانب عظيم من الأهمية في تعزيز جهود الحلفاء في الحرب، مثله كمثل أي اختراق في علم التشفير أو الفيزياء النووية.
على الرغم من قدرتها العلمية الهائلة، فشلت ألمانيا في تحقيق مثل هذا الإنجاز. بدأت جهود البحث هناك متأخرة، وظلت محصورة في عدد قليل من مختبرات الجامعات، وتوقفت عند مرحلة التجارب؛ حيث لم يتمكن العلماء النازيون من الوصول إلى سلالات عالية الإنتاجية، وطرق التخمير المتقدمة، والأمر الأكثر أهمية، التنسيق المؤسسي اللازم للإنتاج على نطاق ضخم.
كانت تجربة الحلفاء مختلفة بدرجة ملحوظة. منذ عام 1941 فصاعدا، حشدت الولايات المتحدة بنيتها الأساسية العلمية والصناعية من خلال مكتب فانيفار بوش (Vannevar Bush) للبحث العلمي والتطوير، فمولت مشاريع بحثية متوازية في الجامعات والمختبرات العامة والشركات الخاصة، بينما تحملت المخاطر المالية والعلمية.
من خلال تكييف تقنيات التخمير في الخزانات العميقة ــ التي جرى تطويرها في الأصل لتصنيع الأغذية والكيمياء الصناعية ــ تمكنت 21 شركة أمريكية، بما في ذلك فايزر، من إنتاج ملايين الجرعات من البنسلين في الوقت المناسب ليوم الإنزال (المعركة الحاسمة).
كانت هذه السمات الثلاث التي ميزت نظام الإبداع الأميركي حاسمة.
أولا، لم يكن من الممكن تصنيع البنسلين على نطاق ضخم إلا بفضل الاستثمار المستمر في تكنولوجيات مدنية جرى تطويرها قبل الحرب بوقت طويل، مثل التخمير، وعلم الأحياء الدقيقة والهندسة الصناعية.
أصبحت هذه القاعدة التكنولوجية غير العسكرية أحد الأصول الاستراتيجية في زمن الحرب. وعلى الرغم من قوة ألمانيا في الكيمياء التخليقية، فإنها كانت تفتقر إلى النظام البيئي الصناعي المتنوع اللازم لتصنيع المضادات الحيوية على نطاق ضخم.
ثانيا، شكلت الحكومة الأمريكية بيئة الإبداع والابتكار من خلال استعدادها لتحمل المخاطر. في بداية الحرب، كان البنسلين تجريبيا ومكلفا وغير مضمون إلى حد كبير، الأمر الذي جعل الحافز للاستثمار فيه ضئيلا في نظر الشركات الخاصة.
لكن إدارة الرئيس فرانكلين روزفلت أدركت أن التقدم التكنولوجي يتطلب التسامح مع الفشل. ومن خلال مكتب البحث والتطوير العلمي، مولت الإدارة مجموعة واسعة من الجهود الاستكشافية، متوقعة تماما فشل العديد منها. وبذلك، سمحت بظهور وتَوَسُّع الأساليب الأكثر تبشيرا. على النقيض من ذلك، ركز نظام البحث الأكثر مركزية في ألمانيا على العائد العسكري الفوري وعمل على تثبيط التجريب غير المقيد بحدود زمنية.
ثالثا، أنشأت الولايات المتحدة نظاما للإبداع كان شديد التكامل على الرغم من انتشاره الواسع، فربط بين الاستثمار العام، والاكتشافات الأكاديمية، والتنفيذ الصناعي. حددت الحكومة الأولويات وتحملت المخاطر المبكرة؛ وعملت الجامعات والمختبرات على تطوير العلوم؛ وتولت الشركات الخاصة ترجمة الاكتشافات إلى إنتاج ضخم. أعطى تقسيم العمل على هذا النحو الحلفاء ميزة تكنولوجية لم تستطع ألمانيا النازية، المقيدة بالجمود المؤسسي، تكرارها.
في ورقة بحثية حديثة، أشرت أنا وشركائي في تأليفها إلى أن قصة البنسلين توضح نمطا أوسع في تطور التكنولوجيا الأمريكية. منذ الحرب العالمية الثانية، اعتمدت أكثر الاختراقات التحويلية التي قادتها الولايات المتحدة ــ من أشباه الموصلات إلى التكنولوجيا الحيوية ــ على إطار مؤسسي مميز: أبحاث أساسية ممولة من القطاع العام، وجامعات ومؤسسات بحثية قوية، وقطاع خاص قادر على المنافسة وتوسيع نطاق تكنولوجيات جديدة، وعوائد اجتماعية ضخمة من الاستثمار العام في الصحة والتعليم.
كان للبنسلين، الذي جرى تبرير الاستثمار في تصنيعه في البداية على أنه دفاعي، تأثير كبير على الحرب مثل أي سلاح آخر، وقد أحدث تحولا في الطب المدني والصحة العالمية. وبهذا المعنى، لم يكن أقوى أصل أميركي في زمن الحرب متمثلا في تكنولوجيا بعينها، بل في النظام الذي جعل مثل هذه الاختراقات في حكم الممكن.
تسلط الروايات الضوء عن انتصار الحلفاء غالبا على مجموعة محدودة من الإنجازات التكنولوجية.
في الواقع، لم ينتصر الحلفاء لمجرد أنهم صنعوا أسلحة أفضل، بل لأنهم أنشأوا نظاما بيئيا للإبداع أشد عُمقا، وأكثر قابلية للتكيف، ومرنا بما يكفي لتحويل المعرفة العلمية إلى أدوات عملية تنقذ الأرواح في الأوقات الحرجة.
لم يكن ظهور ذلك النظام من قبيل الصدفة؛ بل كان نتاج قرارات سياسية مدروسة جمعت بين البحث الأكاديمي، والقدرة الصناعية، والتطور المؤسسي، وهي العلاقة التي تهددها إدارة دونالد ترمب الآن بقطع التمويل عن الأبحاث الأساسية والاستثمارات الموجهة، خاصة في مجالي الصحة (المعاهد الوطنية للصحة) والعلوم (المؤسسة الوطنية للعلوم).
ينبغي لصناع السياسات اليوم أن يتذكروا الدرس المستفاد من تطوير البنسلين في زمن الحرب: فالأمن الحقيقي يعتمد على احتضان ورعاية الإبداع بقدر ما يعتمد على الأسلحة.
باولو سوريكو أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للأعمال.
خدمة بروجيكت سنديديكت
