الخليج على صفيح ساخن

02 مارس 2026
02 مارس 2026

بين «زئير الأسد» و«الوعد الصادق» يتحرك «الغضب الملحمي» لتعيش شعوب المنطقة واقع حرب غير مبررة، غير معلومة الأمد، غير مأمونة النتائج، وهي كذلك لأنها فعليا غير مبررة ولا معلومة ولا مأمونة؛ لأن المعلن غير واقعي، والواقعي غير معلن، والمبرر غير مقنع، فكيف يمكن لعاقل تصديق سعي الرئيس الأمريكي المجرد إلا من نبله القيمي لحرب في الشرق الأوسط؟! حرب ليست حرب أمريكا وهو ما أكد عليه هو نفسه أثناء رئاسة باراك أوباما لأمريكا.

وما جعل العالم يستحضر تغريداته (أقصد ترامب) عامي 2011 و 2013 مكررًا يقينه الواثق في أن باراك أوباما سيهاجم إيران بهدف إعادة انتخابه، وهو اليقين المترسخ اليوم لدى قاعدة التلقي الجماهيري عالميًا بشأن نوايا ترامب من الحرب، دون أي عناية بتداعيات هذه الحرب على كل المستويات والأصعدة، ما كان الرجل حينها إلا معبرا عن ذاته في تجلي نفعيته الصادمة.

ويحدث أن يتناسب سعيه هذا مع مصالح إسرائيل ليمضي الحليفان إلى خلخلة توازن المنطقة بتحييد عنيف لإيران من المشهد الشرق أوسطي لتخلو الحلبة لإسرائيل بعد تخدير باقي القوى بالشراكات والصفقات المتبادلة.

أما المتداول في وسائل الإعلام فتسويق هدف الرئيس الأمريكي من الحرب متمثلا في الدفاع عن الشعب الأمريكي عبر منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمكنه تهديد السلام الأمريكي (ولا بأس من إقلاق أمن واستقرار وسلام كل دول الشرق الأوسط وصولا لذلك) هدف آخر من شريك الحرب، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مدعيًا سعيه لإزالة التهديد الوجودي للنظام الإيراني وبرنامجه النووي، وتحييد الصواريخ الباليستية، إضافة إلى نبل محاولة الشريكين نصرة الشعب الإيراني لاختيار مصيره، في ما لا يخفى من نية تغيير الحكم ليتناسب مع مصالح الحليفين الحالية، مع تجاهل أرواح الأبرياء من الشعب الإيراني قربانًا لخطة الحرب (بينها ما يقارب أرواح 60 طفلة إيرانية قتلتها الهجمات الأمريكية الإسرائلية في الساعات الأولى، فضلا عن الأهداف القيادية الأخرى).

تلك أهدافهم المعلنة، ومع استحضار السالف من سيرة مصادر التصريحات نجد من الصعب أن لا تتراءى ورقة استخدام الحرب ورقة كارثية لرفع رصيد ترامب في الانتخابات القادمة، خصوصا إذا ما تدبرنا أحداث رئاسته الأخيرة البعيدة تماما عن الانتصار للإنسان والسعي الحقيقي للسلام، وما على القارئ إلا تمثل دعمه لإسرائيل رغم تجريم كل المنظمات الإنسانية والقانونية لانتهاكاتها في فلسطين، أو تمثل سياسته غير الإنسانية مع ملف الهجرة.

كنا نعايش ترقبًا مرحليًا لجهود المفاوضات الدبلوماسية العُمانية التي وئدت كسابقتها في خضم انسياق المنفذين تغليبًا لآلة الحرب على جهود السلام، كنا نتمنى انتصار القوة الناعمة على القوة الغاشمة للحروب العسكرية، لكن كل ذلك كان مرهونًا بالاستقبال؛ والاستقبال هنا لا ينبغي أن يكون محصورًا في الأطراف المتفاوضة وحسب، بل كان ينبغي لشعوب العالم المناهضة للحرب الداعية للسلام دعم تلك الجهود السلمية وإن اقتضت الخروج في مظاهرات داعمة في كل أنحاء العالم.

كان لا بد من تجييش سلمي للجيوش الرقمية دعما لفكرة السلام مقابل الحرب، وللإنسان مقابل الآلة، وللتنمية والاستقرار مقابل الخوف والدمار.

كان لزامًا على الدول والمؤسسات والمنصات التي تصدح اليوم ببيانات رفض الحرب وإدانة المتحاربين وضرورة وقف الهجمات الحديث قبلها.

وإني لأعجب من تمكن الصمت من الجميع حكومات وشعوبا مأخوذين بفكرة مفادها: أنها ليست إلا تهديدات مكررة من عداوات تاريخية لن تجد في الواقع مجالًا، ولا للتنفيذ سبيلا، كيف سُقينا الصمت حتى مع بوادر الحرب المؤكدة من تحضيرات وتصريحات وتهديدات؟ كيف تُركت عُمان وحيدةً رسولًا للسلام أوان التصعيد والتأجيج لقرع أجراس الحرب؟!

ساعات تمر ثقيلة على العالم، وأثقل على الخليج وأهله، لا يمكن خلالها عدم الالتفات لحسرة جمعيّة (مُعلنة أو خفيّة) لوجود القواعد الأجنبية التي صيّرت المنطقة مسرحًا للأطماع، وصفيحًا ساخنًا للصراعات الدولية.

ولا يمكن تجاهل حالة الهلع والترقب في كل أرجاء المنطقة بحثًا عن بارقة سلام أو بصيص أمل في العودة إلى مساحة للسلام، ولا ندري إن كانت هذه المساحة ما زالت مُتاحة أم أنها ذهبت مع ريح العداء ودخان الحرب.

لن تتسع هذه المقالة لسرد خواطر يوميات الحرب، ووضع تساؤلاتها، ولا إلى تصورات مقترحة لمآلاتها القادمة، لكنها تتسع يقينا لدعوة صادقة للتلاحم والترابط محليًا بين الأفراد مواطنين ومقيمين، وبين الأفراد والمؤسسات المعنية التزامًا بالمنصوص عليه من تحذيرات أو تعليمات، وابتعادًا عن مواطن الشبهة وسياقات الفتنة واقعيًا ورقميًا؛ ينبغي فيها الحذر من تداول المشكوك فيه من أنباء، والمستفز من تعبيرات، لنعبر معا هذه المرحلة المؤقتة -بإذن الله- إلى سلام نتمناه وهدوء نستحقه، نهجًا ثابتًا لا نحيد عنه مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت التحديات.

حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية