رضا بهلوي .. طريق السلطة عبر تل أبيب
02 مارس 2026
02 مارس 2026
في تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اعتبر اغتيال مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي «الفرصة الأكبر للشعب الإيراني لاستعادة وطنه»، معتبرًا أنّ معظم الأشخاص الذين يتخذون القرار في إيران «رحلوا».
تزامن تصريح ترامب مع خبر بثته شبكة «سي بي إس نيوز» عن مصادر استخبارية وعسكرية أمريكية عن مقتل نحو 40 مسؤولًا إيرانيًّا في غارات أمريكية وإسرائيلية أول أمس السبت.
كانت الطبخة جاهزة قبل الهجوم على إيران، ومن ذلك فإنّ الرئيس ترامب أعلن أنّ هناك بعض المرشحين الجيدين لقيادة إيران، دون أن يذكر المزيد من التفاصيل حول من يقصد، ولكن حسب التصريحات السابقة من واشنطن وتل أبيب فإنّ البديل المرشح من قِبلهما هو رضا شاه، نجل الشاه محمد رضا بهلوي، والذي شغل منصب ولي العهد قبل الإطاحة بوالده. فقد سارع بالترحيب بمقتل المرشد الأعلى، ووجّه الشكر إلى الرئيس الأمريكي على «استجابته لنداء الشعب الإيراني» حسب قوله، ويتصرف الآن وكأنّ أمر حكمه لإيران محسوم، إذ كتب مقال رأي في صحيفة «واشنطن بوست» أنّ فريقه من الخبراء وضع خطة انتقالية تُسمى «مشروع ازدهار إيران» لإدارة البلاد خلال أول 100 يوم بعد انهيار النظام الحالي وإعادة الإعمار والاستقرار على المدى الطويل.
من المبكر الحديث عن سيناريوهات البديل في الحُكم، وهل يلفظ النظام أنفاسه الأخيرة؟ فالأمور - كما يبدو- تحت السيطرة حتى هذه اللحظة، ولا يملك المتابع للأحداث التحليل الدقيق لما يجري داخل إيران وداخل أروقة اتخاذ القرارات في تل أبيب وواشنطن، والأحداثُ ما زالت تتسارع، في وقت توقع فيه الرئيس الأمريكي استمرار العدوان على إيران دون انقطاع طوال الأسبوع أو «طالما كان ذلك ضروريًّا»، مرددًا النغمة النشاز التي تُكرّر دائمًا من أنّ هدف الحرب هو «تحقيق السلام في جميع أنحاء الشرق الأوسط وفي العالم أجمع»، ووفقًا لمسؤول أمريكي فإنه من المتوقع أن تستمر حملة القصف المكثفة خمسة أيام على الأقل، حتى تنهي المهمة.
لقد فشلت إسرائيل المرة الأولى في القضاء على القيادات الإيرانية، وهي - كما يبدو - لن تترك الفرصة هذه المرة، لأنّ هدفها المعلن والواضح هو القضاء على كلِّ من يجرؤ أن يقول «لا» لإسرائيل.
مع تزايد التصريحات حول الحرب على إيران، لمع رضا بهلوي في وسائل الإعلام الأمريكية، وزار الكيان الإسرائيلي، وكانت أبرز تصريحاته، أنّ ما سمّاها «إيران الحرة» ستنضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية فور سقوط النظام الحالي، وهي تصريحاتٌ تكشف بوضوح أنّ مفتاح وصوله إلى السلطة يمر عبر تل أبيب.
وهذه الفكرة في الواقع ليست جديدة على تاريخ إيران؛ فهي امتدادٌ لتاريخ إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، حين كانت العلاقات مع إسرائيل قوية ومتشعبة، وشكّلت أساسًا لتحالف استراتيجي في المنطقة، وشمل التعاون بين الطرفين مجالات الاستخبارات عبر الموساد والسافاك، وكان للموساد اليد الطولى داخل إيران، وكذلك شمل التعاون مشاريع الطاقة مثل خط أنابيب النفط الإيراني إلى إسرائيل.
بالنسبة لإسرائيل، كان الشاه الحليف غير العربي الذي يوازن القوى في المنطقة، بينما اعتبر الشاهُ إسرائيل بوابة للتقارب مع الغرب وضمان دعم واشنطن.
ومن هذه الزاوية نستطيع أن نقرأ تصريحات رضا بهلوي اليوم على أنها محاولة العودة إلى العرش عن طريق مغازلة تل أبيب إحياءً لإرث والده، لكن تحت مظلة جديدة هي الاتفاقيات الإبراهيمية، التي تمثل الإطار الحديث للتطبيع في الشرق الأوسط.
ومؤكدٌ أنّ رضا بهلوي يدرك أنّ أمريكا لا تمنح الشرعية لأيِّ مشروع سياسي في المنطقة، ما لم يضمن أمن إسرائيل؛ لذلك فإنّ إعلانه الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية - في حالة وصوله إلى السلطة - رسالة مباشرة إلى أنّ مشروعه السياسي يضمن أمن إسرائيل، وبالتالي يستحق الدعم الدولي.
وبهذا المعنى، فإنّ الطريق إلى السلطة في إيران يبدأ من تل أبيب، كما كان الحال في عهد الشاه؛ حيث كانت العلاقة مع إسرائيل هي الضمانة الأساسية لاستمرار النظام ودعمه من القوى الكبرى.
بعد اتفاقيات كامب ديفيد -التي خرجت بموجبها مصر من المعادلة-، قامت الثورة في إيران، وتحملت عبء دعم المقاومة ضد الكيان الإسرائيلي على مدى أربعة عقود، وفقدت أمريكا شرطيَّها في المنطقة، كما خسر الكيانُ الصهيوني أحد أبرز داعميه.
وممّا يذكر عن الشاه وهو يؤدي دوره كشرطي للمنطقة، «كان إذا كحّ يُصاب حُكّام المنطقة بالزكام»، ففي عهده، كانت إيران القوة الإقليمية التي تحمي المصالح الغربية في المنطقة. واليوم، مع الحرب على إيران وتصريحات رضا بهلوي، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستعود إيران لتلعب الدور ذاته إذا تغيرت الأوضاع وانضمت إلى الاتفاقيات الإبراهيمية؟ وهل ستُكلّف إيران مجددًا بدور أمني إقليمي؟ والسؤال الأهم هو: في حالة حصول ذلك، ما مصير الدول الخليجية؟!
في كلِّ الأحوال فإنّ حسابات رضا بهلوي واضحة، وهي حسابات «كلّ كرزاي» في كل مكان، أنه لا سلطة بلا اعتراف دولي، ولا اعتراف دولي بلا تل أبيب.
حقيقةً لستُ من المتفائلين بمستقبل الحكم الحالي في إيران، لأنّ نجاح الحكومة الإيرانية الحالية، يعتمد فقط على القوة العسكرية، وعلى الضربات الموجعة التي تستطيع أن ترد بها على العدوان، وهذا من حقِّها ولا جدال على ذلك؛ -وإن كنتُ أختلفُ تمامًا مع استهداف المدنيين-، أما إذا كان التهديد بلا فاعلية فإنّ أمريكا وإسرائيل تعلمان حقيقة الوضع داخل إيران، ويكفي أنّ إعلان اغتيال المرشد، جاء أولًا عبر وسائل الإعلام الإسرائيلية وعلى لسان الرئيس ترامب قبل أن تعلنه إيران رسميًّا، ولا يمكن أصلًا أن تقوم الحرب بهذه القوة، إلا إذا كان الكيان الصهيوني يعلم علم اليقين أنّ إيران لا تستطيع أن ترد الرد المزلزل، وإلا لما تجرأت على ذلك.
الواضح أنّ المنطقة مقبلة على تغيرات كبيرة، قد تشمل العديد من الأنظمة، وعنوانُ هذه التغييرات البارز، هو أنّ «الحقبة الإسرائيلية» قادمة بقوة، لأنّ إيران كانت على مدى أربعة عقود سدًا منيعًا ضد الهيمنة الصهيونية، ولكن الوضع الآن أنّ الدول الأساسية كلها اختفت، وظهرت دولٌ لا تملك قرارها السياسيّ، وتعتمد فقط على الحماية الخارجية، وهي الدول التي يبدو أنها ستدفع الثمن غاليًا، في حالة سقوط النظام الإيراني، ولن يكتفي الكيان الصهيوني بإيران فقط، بل هناك دولة أخرى ينتظرها مصير صعب هي باكستان، خاصة بعد التعاون الإسرائيلي الهندي المتصاعد في المجالات العسكرية.
زاهر المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي
