إرث خامنئي!
03 مارس 2026
03 مارس 2026
خلال ساعات من الانفجار الهائل الذي وقع قرب مجمّع المرشد الإيراني، علي خامنئي، صباح الثامن والعشرين من فبراير، أعلنت مصادر إسرائيلية وأمريكية قبل أن تؤكد وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية لاحقًا أن خامنئي قد قُتل.
في مدنٍ إيرانية عدة، وبين أوساط الجاليات الإيرانية في الخارج، اندلعت احتفالات عفوية، أشبه بتنفيسٍ جماعي عن غضبٍ عام تراكم على مدى عقود من القمع في ظل حكم خامنئي، بما في ذلك الحملة العنيفة في يناير على الاحتجاجات التي عمّت أنحاء البلاد، والتي أفادت تقارير بأن قوات الحكومة قتلت أو اعتقلت خلالها عشرات الآلاف من المتظاهرين.
غير أن صدمة مقتل خامنئي لا تعني بالضرورة انهيار الجهازين الأمني والسياسي اللذين أمضى ما يقرب من أربعة عقود في تشييدهما. فهذه البنية المؤسسية للسلطة قد تكون، في واقع الأمر، إرثه الأكثر ديمومة.
وعندما توفي الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية عام 1989، لم يكن كثير من المطلعين على دوائر الحكم يتصورون أن خامنئي سيغدو خليفةً مهيمنًا أو صاحب تأثير تحويلي. فبحسب المادة 109 من الدستور الإيراني، كان يُشترط في المرشد أصلًا أن يحمل صفة «مرجع تقليد» أي آية الله عظمى، أعلى مراتب السلطة الدينية الشيعية وهي صفة لم يكن خامنئي يتمتع بها آنذاك.
غير أنّه في غضون أشهر من وفاة الخميني، عُدِّلت المادة 109. فاستُبدل شرط بلوغ المرتبة الدينية العليا كـ«آية الله عظمى» بمعايير أكثر عمومية ذات طابع سياسي وديني. وفي الوقت نفسه، جرى ترسيخ نموذج القائد الأوحد ذي الصلاحيات الواسعة. وقد ظنّ كثيرون، بمن فيهم شخصيات ثورية نافذة، أن خامنئي سيضطلع بدور رمزي إلى حد كبير، موكِلًا السلطة التنفيذية إلى المسؤولين المنتخبين، مثل رئيس الجمهورية. لكنهم كانوا على خطأٍ فادح.
على مدى العقود التالية، حوّل خامنئي تدريجيًا موقع المرشد الأعلى من سلطة إشرافية إلى بنية القيادة المركزية للجمهورية الإسلامية. وكان ابتكاره السياسي الأبرز هو إعادة تشكيل الحرس الثوري الإسلامي.
فبينما شدّد الخميني على ضرورة الحد من انخراط المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، استند خامنئي إلى المادة 110 من الدستور التي تمنح المرشد الأعلى قيادة جميع القوات المسلحة لبناء جهاز أمني شديد الولاء له.
ولم يعد الحرس الثوري، في عهد خامنئي، مجرد مؤسسة عسكرية، بل تحول إلى تكتل سياسي اقتصادي متشعّب، متغلغل في معظم القطاعات الحيوية للاقتصاد الإيراني، من البنية التحتية والإنشاءات إلى الاتصالات ومشروعات الطاقة وتجارة النفط. لقد أقام خامنئي منظومةً أصبحت فيها الولاءات العسكرية والمصالح المالية وبقاء النظام عناصر يعزّز بعضها بعضًا. وباتت سلطته السياسية مؤمَّنة بقدر ما تستند إلى الاعتماد المؤسسي، لا إلى الأيديولوجيا وحدها.
ولتعزيز قبضته على السلطة أكثر، أحكم خامنئي سيطرته على مجلس صيانة الدستور، الذي أُنشئ بموجب المادة 91 من الدستور بهدف الحفاظ على التوازن المؤسسي. ويتألف المجلس من ستة فقهاء يعيّنهم المرشد الأعلى مباشرة، وستة خبراء قانونيين يرشّحهم رئيس السلطة القضائية ويصادق عليهم البرلمان. غير أنّ المادة 157 تمنح المرشد الأعلى صلاحية تعيين رئيس السلطة القضائية، ما يعني أنه يمتلك الكلمة الفصل في اختيار الأعضاء الاثني عشر جميعًا. ومع مرور الوقت، أتاحت صلاحية مجلس صيانة الدستور في تدقيق أهلية المرشحين للبرلمان تضييق المجال السياسي عمليًا، بحيث يقتصر على الأشخاص الذين يعتبرهم النظام مقبولين.
ونشأت دينامية مشابهة داخل مجلس خبراء القيادة. فبموجب المادتين 107 و111 من الدستور، يتولى هذا المجلس مهمة الإشراف على المرشد الأعلى وتعيين خلفه، ويُفترض أن يكون أحد أبرز القيود الدستورية على سلطته. لكن عمليًا، يخضع المرشحون لعضويته لموافقة مجلس صيانة الدستور أولًا، ما يخلق حلقة مغلقة تمتد فيها نفوذ المرشد الأعلى إلى المؤسسة المكلّفة أصلًا بمراقبته.
ينصّ الدستور الإيراني فعلًا على آلية قانونية لانتقال القيادة. فعند وفاة المرشد الأعلى أو عجزه، تقضي المادة 111 بانتقال السلطة التنفيذية مؤقتًا إلى مجلس يتكوّن من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور يختاره مجمع تشخيص مصلحة النظام. غير أن هذا الترتيب يفترض قدرًا من الاستقلال المؤسسي، وهو ما نجح خامنئي في تقويضه بفاعلية.
ومع ذلك، فإن المنظومة التي أسهم خامنئي في بنائها مرشّحة لأن تبقى بعد رحيله. فالشبكات التي تدير القضاء، والمؤسسة الأمنية، والمؤسسات الدينية ما تزال مترابطة بعمق. وخلال سنوات حكمه، باتت السلطة تقوم بصورة متزايدة على مزيج من الشرعية الدينية، والولاء العسكري، والسيطرة الاقتصادية، وكلها مرتكزة إلى آليات دستورية تركّز القوة في يد واحدة مع الحفاظ على مظهر قانوني خارجي. وسيَرِث خليفة خامنئي ليس مجرد منصب سياسي، بل هندسة مؤسسية صُمِّمت لإعادة إنتاج السلطة المركزية.
لذلك تجد إيران نفسها أمام لحظة من الغموض السلطوي العميق؛ إذ لا يبدو انهيار النظام مرجحًا، ولا انتقال السلطة متوقعًا على نحو يمكن التنبؤ به. فالمؤسسات الحاكمة ستظل قائمة حتى مع تآكل الشرعية السياسية واحتدام التنافس على الخلافة، وربما تحوّله إلى صراع عنيف. ومن دون إصلاحات بنيوية، قد تنتقل الكثافة نفسها في تركيز السلطة إلى مرشد أعلى جديد، بما يمدّد حالة الجمود السياسي في البلاد.
إن التغيير الحقيقي والدائم في إيران سيتوقف بدرجة أقل على هوية من يخلف خامنئي، وبدرجة أكبر على ما إذا كان إرثه المؤسسي سيُفكَّك. غير أن المستفيدين من النظام القائم ليسوا مرجّحين للقبول بهدوء بإطار حكم مختلف جذريًا. ومن دون إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، وهيمنة الحرس الثوري الإسلامي الاقتصادية، والآليات التي تتحكم بالمشاركة السياسية، فإن النظام السلطوي في إيران لن يفعل أكثر من إعادة التوازن إلى نفسه.
بيغاه بني هاشمي باحثة في القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو ومحاضرة في قانون حقوق الإنسان.
