قرار حظر دخول أمريكا يهدد أمنها القومي
05 يناير 2026
05 يناير 2026
في الشهر الماضي، حظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ـ أو قيد بشدة ـ دخول مواطني 20 دولة إضافية إلى الولايات المتحدة، موسّعًا قيود الدخول التي فرضها في يونيو، بزعم الحدّ من «تهديدات الأمن القومي والسلامة العامة». غير أن نظرة سريعة إلى قائمة الدول المستهدفة تكفي لتبيان أن الأمر ليس سوى حالة أخرى من سياسات قومية-إثنية متنكرة في هيئة إجراء لمكافحة الإرهاب.
كثير من الدول التي استهدفها ترامب في عام 2025 ـ ومنها أنغولا، وأنتيغوا وبربودا، ودومينيكا، وهايتي، ولاوس، ومالاوي، والسنغال، وسيراليون، وتونغا، وزامبيا، وزيمبابوي ـ لا تكاد تملك أي سجل يُذكر في تصدير الإرهاب العابر للحدود. ومع ذلك فإن حصة كبيرة منها ـ 16 من أصل 20 دولة أُعلن عنها الشهر الماضي، و26 من أصل 39 دولة استُهدفت في عام 2025 ـ تقع في أفريقيا.
والخلاصة الأوضح، خصوصًا في ضوء أجندة ترامب الأوسع وخطابه، هي أن الانحياز العِرقي يوجّه السياسة الأمريكية، على نحو شبيه بالانحياز الديني الذي وجّه قيود إدارته الأولى عام 2017 على السفر وإعادة التوطين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة.
صحيح أن مسؤولين أمريكيين يقولون إن قراراتهم تعكس «نواقص مُثبتة ومستمرة وشديدة في إجراءات التدقيق والتحقق وتبادل المعلومات»، فضلًا عن معايير مثل معدلات تجاوز مدة التأشيرة، بل وحتى رفض استقبال رحلات الترحيل الأمريكية. لكن هذه المبررات تبدو أقرب إلى الارتجال منها إلى الحُجّة المحكمة. فمثلًا، وكما يلاحظ «مجلس الهجرة الأمريكي»، تستخدم إدارة ترامب معدلات تجاوز مدة الإقامة لغير المهاجرين لتبرير فرض حظر على تأشيرات المهاجرين
وفضلًا عن ذلك، شأنها شأن رسوم ترامب الجمركية، تُطبَّق هذه المعايير بانتقائية؛ فبعض الدول ـ مثل مصر والكويت ـ لا تواجه أي قيود جديدة، رغم ارتفاع معدلات تجاوز مدة الإقامة.
ورغم وجود نواقص موثقة في تبادل المعلومات وفي إجراءات التدقيق والتحقق. وحتى دول لها صلات قديمة بالجهادية العالمية، مثل باكستان، يجري تحييدها عن الاستهداف، على الرغم من ادعاء ترامب أن دافعه اعتبارات الأمن القومي.
وبعض هذه الدول «المميَّزة» يكاد يكون خطره مؤكّدًا. وما يجمع بينها ليس أنها آمنة، بل أنها نافعة. فدول مثل مصر والعراق تُعدّ - في الحسابات الأمريكية - ضرورية على نحو لا يمكن الاستغناء عنه استراتيجيًا. والسعودية ليست مجرد شريك دفاعي محوري للولايات المتحدة؛ إنها، شأنها شأن قطر، مستثمر كبير في الولايات المتحدة ـ وفي شركة الاستثمار التي يديرها صهر ترامب جاريد كوشنر. أما باكستان فقد وقّعت صفقة استثمارية كبيرة مع «وورلد ليبرتي فاينانشل»، وهي شركة عملات مشفّرة تملكها عائلة ترامب بالأغلبية، ضمن مسعاها الحثيث لاستمالة الإدارة الأمريكية.
إنها استراتيجية لا تفشل في جني العائد: لا دولة تستضيف عقارًا كبيرًا يحمل علامة ترامب أو أبرمت صفقة أعمال لافتة مع أحد أفراد دائرته الداخلية تتعرض لقيود أمريكية على السفر.
ومثال كاشف على هذا النمط هو أنه فيما شددت إدارة ترامب القيود على دول كثيرة، رفعت الحظر السابق على التأشيرات غير المخصصة للهجرة بالنسبة لتركمانستان، التي يُقال إنها أحرزت «تقدمًا ملموسًا في تحسين إجراءات إدارة الهوية وتبادل المعلومات».
واللافت أن القرار جاء بعد أسابيع قليلة فقط من موافقة الدولة المنغلقة الغنية بالغاز على التعاون مع الولايات المتحدة في مجال الطاقة والمعادن الحيوية، وعلى النظر في منح الشركات الأمريكية معاملة تفضيلية.
الدرس هنا واضح: الدول التي تملك صلات شخصية قوية بإدارة ترامب، أو علاقات أعمال مربحة مع عائلته ومع المقرّبين منه، تحظى بمعاملة تفضيلية. لم يكن الحد الفاصل بين المنصب العام الأمريكي والمنفعة الخاصة بهذه الدرجة من السيولة في أي وقت مضى، في ظل اتساع إمبراطورية ترامب التجارية بسرعة منذ عودته إلى الرئاسة. والنتيجة عبثية. فمواطن من بوركينا فاسو، وهي دولة لا تاريخ لها في تهديد أمن الولايات المتحدة، يُمنع من دخول البلاد، بينما لا يُمنع مواطن من بنغلادش، التي تعصف بها أعمال عنف وتطرّف معادٍ لأمريكا.
هذا التناقض يضرب صدقية الدبلوماسية الأمريكية وجهود مكافحة الإرهاب، لأنه يبعث برسالة خطرة إلى الدول التي ترعى التطرف أو تتسامح معه: المساءلة قابلة للتفاوض.
ولو كان ترامب يريد فعلًا حماية الولايات المتحدة من الإرهاب، لاتبّع استراتيجية تقوم على معلومات استخبارية موثوقة ومعايير منسجمة. ولأقرّ بأن الإرهاب الدولي لا ينحصر في الدول الضعيفة أو المعزولة؛ بل إن بعض أكثر من يسهّله فاعلية هم قوى إقليمية، ولأظهر استعدادًا لمواجهة الحلفاء والخصوم على حد سواء.
لكن المؤسف أنه، رغم كل حديث ترامب عن الأمن، أثبت أنه أشدّ اهتمامًا بملء جيوبه. إن أحدث قيود السفر التي فرضها تقدّم دراسة نموذجية لكيف يمكن إعادة توظيف لغة الأمن القومي لخدمة دبلوماسية قسرية ومنفعة خاصة.
وبمعنى ما، كان هذا التطور امتدادًا طبيعيًا لروح «أمريكا أولًا». فالفكرة كانت منذ البداية مرادًا لتبرير مقاربة تبادلية في الانخراط الدولي. غير أنها، خلال الولاية الثانية لترامب، ارتقت إلى مستوى أعلى من السخرية السياسية. الآن، يُعاقَب من لا يقدّم لترامب «قرابين» كافية، بينما يستطيع من يثبت نفعه له أن يتصرف شبهَ بلا رادع، وليذهب الأمن القومي الأمريكي إلى الجحيم.
براهما تشيلاني: أستاذ فخري للدراسات الاستراتيجية في «مركز أبحاث السياسات» في نيودلهي، وزميل في «أكاديمية روبرت بوش» في برلين.
خدمة بروجيكت سنديكيت
