عصر الإمبراطورية الأمريكية الجديد

13 يناير 2026
13 يناير 2026

استفز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة من الانتقادات بسبب أفعاله في فنزويلا، وانتهاكاته للقانون الدولي، وازدرائه للأعراف الراسخة، وتهديداته الموجهة ضد دول أخرى، وخاصة حلفاء مثل الدنمارك وكندا. وفي مختلف أنحاء العالم يخيم شعور ملموس بانعدام اليقين والتشاؤم، ولكن يجب أن يكون من الواضح بالفعل أن الأمور لن تنتهي إلى خير، لا بالنسبة للولايات المتحدة ولا بقية العالم.

لا شيء من هذا يأتي مفاجئًا لكثيرين على اليسار. ما زلنا نتذكر تحذير الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في خطبة الوداع بشأن المجمع الصناعي العسكري الذي تمخضت عنه الحرب العالمية الثانية.

كان من المحتم أن تنتهي الحال بدولة يعادل إنفاقها العسكري ما تنفقه بقية دول العالم مجتمعة إلى استخدام أسلحتها لمحاولة السيطرة على دول أخرى. من المؤكد أن التدخلات العسكرية أصبحت تفتقر إلى الشعبية على نحو متزايد بعد المغامرات الأمريكية الفاشلة في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، وأماكن أخرى، لكن ترمب لم يُـبدِ قَط أي قدر يُذكَر من الاهتمام بإرادة الشعب الأمريكي.

منذ دخوله السياسة (وقبل ذلك دون شك) اعتبر نفسه فوق القانون متفاخرا بأنه قادر على إطلاق النار على شخص ما في الجادة الخامسة في نيويورك دون أن يخسر أي صوت. أظهرت أحداث التمرد التي شهدها مبنى الكابيتول الأمريكي في السادس من يناير 2021 ــ والتي «احـتُـفِل» بذكراها للتو ــ أنه كان على حق. فقد عززت انتخابات 2024 سيطرة ترمب على الحزب الجمهوري، فبات من المضمون تماما أن الحزب لن يفعل أي شيء لمحاسبته. كان اعتقال ديكتاتور فنزويلا نيكولاس مادورو غير قانوني ومخالفا للدستور إلى حد الوقاحة.

فباعتباره تدخلا عسكريا كان يستلزم إخطار الكونجرس، إن لم يكن الحصول على موافقته. وحتى لو افترضنا أن هذه كانت حالة «إنفاذ القانون» فإن القانون الدولي لا يزال يستلزم إتمام مثل هذه الإجراءات من خلال قانون تسليم المجرمين. فلا يجوز لأي دولة أن تنتهك سيادة دولة أخرى أو تختطف رعايا أجانب ــ ناهيك برؤساء الدول ــ من بلدانهم الأصلية. لقد جرى توجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وآخرين بارتكاب جرائم حرب، ولكن لم يقترح أحد إرسال جنود لاعتقالهم أينما كانوا.

وكانت التصريحات التي أدلى بها ترمب في وقت لاحق أشد وقاحة؛ فهو يدعي أن إدارته ستتولى «إدارة» فنزويلا وتستولي على نفطها بما يعني ضمنا أنه لن يُسمح للبلاد ببيع نفطها لمن يدفع أعلى سعر.

وبالنظر إلى هذه المخططات يبدو أننا نستهل عصرا جديدا من الإمبريالية. القوة تخلق الحق، ولا شيء آخر يهم. أما المسائل الأخلاقية ــ على سبيل المثال ما إذا كان من الجائز قتل العشرات من مهربي المخدرات المزعومين دون حتى التظاهر باتباع الإجراءات القانونية الواجبة ــ وسيادة القانون فقد ضُرِب بها عُرض الحائط دون أن يُـبدي الجمهوريون الذين كانوا يروجون ذات يوم «للقيم» الأمريكية أي تذمر. تناول عدد كبير من المعلقين بالفعل العواقب التي قد يخلفها هذا السلوك على السلام والاستقرار العالميين.

إذا كانت الولايات المتحدة تدّعي أن نصف الكرة الغربي مجال نفوذها «مبدأ دونرو»، وتمنع الصين من الوصول إلى النفط الفنزويلي فما الذي قد يمنع الصين من إعلان شرق آسيا مجال نفوذها، ومنع الولايات المتحدة من الوصول إلى الرقائق الإلكترونية التايوانية؟ لن يتطلب ذلك منها إلا أن تتحكم في سياسات تايوان، وخاصة تلك التي تسمح بالتصدير إلى الولايات المتحدة.

من الجدير بالذكر أن القوة الإمبراطورية العظمى في القرن التاسع عشر المملكة المتحدة لم تحقق نجاحا كبيرا في القرن العشرين. إذا تعاونت معظم الدول الأخرى في مواجهة هذه الإمبريالية الأمريكية الجديدة ــ كما ينبغي لها ــ فقد تكون آفاق الولايات المتحدة في الأمد البعيد أشد سوءا. فقد حاولت المملكة المتحدة على الأقل تصدير مبادئ الحكم الرشيد إلى مستعمراتها؛ حيث أدخلت قدرا ضئيلا من سيادة القانون ومؤسسات أخرى «نافعة».

على النقيض من ذلك تتسم الإمبريالية «الترامبية» التي تفتقر إلى أي أيديولوجية متماسكة بمجافاة المبادئ صراحة؛ فهي تعبير عن الجشع والرغبة في السلطة فقط. وسوف تجتذب الأشرار الأكثر جشعا وإفكا الذين يستطيع المجتمع الأمريكي إفرازهم. مثل هؤلاء الأشخاص لا يخلقون الثروة.

إنهم يوجهون طاقاتهم نحو البحث عن الريع: نهب الآخرين، أو خداعهم، أو استغلالهم صراحة من خلال ممارسة القوة السوقية. قد تنتج البلدان التي يهيمن عليها الباحثون عن الريع قِـلة من الأفراد الأثرياء، ولكن لن تنتهي بها الحال إلى الازدهار. الازدهار يتطلب سيادة القانون، وفي غياب سيادة القانون تظل حالة انعدام اليقين حاضرة.

هل ستصادر الحكومة أصولي؟ هل سيطلب المسؤولون رشوة للتغاضي عن بعض الزلات البسيطة؟ هل سيكون الاقتصاد ساحة متكافئة، أم يعطي من هم في السلطة الأفضلية دوما لأصدقائهم؟ في مقولة شهيرة لاحظ لورد أكتون أن «السلطة مَفسَدة، والسلطة المطلقة مَفسَدة مطلقة».

لكن ترامب أظهر أنه لا حاجة إلى سلطة مطلقة للانخراط في فساد غير مسبوق. بمجرد أن يبدأ نظام الضوابط والتوازنات في الانهيار ــ كما حدث بالفعل في الولايات المتحدة ــ يصبح بوسع الأقوياء العمل دون خوف من عقاب.

وسوف تتحمل بقية المجتمع التكاليف؛ لأن الفساد دائما ما يكون ضارا بالاقتصاد. نأمل أن نكون الآن بلغنا مرحلة «ذروة ترمب»، وأن تنتهي هذه الحقبة الشنيعة من حكم الأسوأ مع انتخابات 2026 و2028. لكن من غير الممكن أن تعتمد أوروبا، والصين، وبقية العالم على الأمل وحده.

ينبغي لنا أن نضع خطط طوارئ تدرك أن العالم لا يحتاج إلى الولايات المتحدة. ما الذي تقدمه أمريكا، ولا يستطيع العالم الاستغناء عنه؟ من الممكن أن نتخيل العالم بدون عمالقة وادي السيليكون؛ لأن التكنولوجيات الأساسية التي تقدمها شركاته متاحة الآن على نطاق واسع.

سوف يهرع آخرون لسد الفجوة، وربما يؤسسون لضمانات أقوى كثيرا. من الممكن أيضا أن نتخيل العالم بدون الجامعات الأمريكية وقيادة أمريكا العلمية؛ لأن ترامب بذل قصارى جهده بالفعل لضمان أن تكافح هذه المؤسسات؛ لكي يتسنى لها البقاء بين الأفضل في العالم.

ومن الممكن أن نتخيل عالما لم يعد فيه الآخرون يعتمدون على سوق الولايات المتحدة. التجارة تجلب الفوائد، لكن هذه الفوائد تتضاءل إذا سعت قوة إمبريالية إلى الحصول على حصة غير متناسبة لنفسها.

سوف يكون سد «فجوة الطلب» التي فرضها العجز التجاري الأمريكي المستمر أسهل كثيرا بالنسبة لبقية العالم من التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة في التعامل مع جانب العرض.

القوة المهيمنة التي تسيء استخدام سلطتها، وتستأسد على الآخرين يجب أن تُـنبَذ. إن مقاومة هذه الإمبريالية الجديدة ضرورة أساسية لسلام وازدهار الجميع.

وفي حين ينبغي لبقية بلدان العالم أن تأمل في الأفضل فإنها يجب أن تستعد للأسوأ. وفي التخطيط استعدادا للأسوأ قد لا يتوفر أي بديل عن النبذ الاقتصادي والاجتماعي، لا ملاذ سوى سياسة الاحتواء.