دوافع الحرب على إيران وتداعياتها
04 مارس 2026
04 مارس 2026
كنت على قناعة بأن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية واقعة لا محال؛ لأنه كان يصعب علينا تصور أن كل هذا التحشيد العسكري الأمريكي في المنطقة هو مجرد استعراض للقوة؛ إذ إن هذا التحشيد العسكري لم يسبق له مثيل، وقد شمل تحريك أقوى حاملات الطائرات في العالم المزودة بقدرات صاروخية هجومية ودفاعية هائلة، وإبقائها مع القواعد الأمريكية في المنطقة في حالة تأهب قصوى انتظارًا لإشارة ترامب ببدء الهجوم على إيران، فتلك حالة لها في حد ذاتها كلفة باهظة على الاقتصاد الأمريكي، لا يبررها مجرد استعراض القوة الأمريكية بكل هذه الحشود في حالة من الاستنفار الدائم، خاصةً أن القوة العسكرية الهائلة لأمريكا معروفة لدى إيران مثلما هي معروفة للقاصي والداني.
وربما يُقَال إن هذا الاستعراض للقوة كان يهدف إلى ممارسة الضغوط على إيران في أثناء المفاوضات مع الإدارة الأمريكية بشأن إنهاء إيران لعملية التخصيب النووي والتخلص من الصواريخ الباليستية طويلة المدى، وهي شروط تعجيزية جائرة تناظر ما يُعرف في القانون «بعقد إذعان».
ونظرًا لأن الإدارة الأمريكية بزعامة ترامب تعلم جيدًا أن موقف الإيرانيين ثابت وصلب ولا يمكن قبولهم بعقد إذعان أو استسلام، فإن هذه الإدارة قد أصرت على شروطها (التي يرتضيها نتنياهو) من دون إبداء أي مرونة؛ على الرغم من أن إيران قد أبدت مرونة فيما يتعلق بالتخصيب النووي بحيث يصل إلى المستوى الذي يكفي فقط للأغراض السلمية وليس لتصنيع السلاح النووي.
أما فيما يتعلق بشرط إنهاء الصواريخ الباليستية، فهو ما لم تقبله إيران؛ لأنه شرط مجحف يهدف إلى تجريد دولة ما ذات سيادة من سلاح الردع لديها! هذا ما تعلمه جيدًا الإدارة الأمريكية، وهي الغاية التي تريد إظهارها للعالم وللشعب الأمريكي نفسه: إظهار تعنت الموقف الإيراني.
ولذلك فإنه كان يصدر يوميًّا عن هذه الإدارة وعن ترامب نفسه بيانات غامضة متضاربة: فتارة يُقال إن المفاوضات تتقدم بشكل جيد وإن الإيرانيين يريدون السلام، وتارة أخرى يُقال إن الإيرانيين أشرار وسيئون ولا يحرزون تقدمًا في المفاوضات، حتى إن ترامب نفسه قال في اليوم السابق على بدء الحرب الجارية الآن: إنني غير راضٍ عن الإيرانيين! وكأن رضا ترامب أو غضبه يكفي وحده لإعلان الحرب والسلم!
ولكن هذه هي الحقيقة في ظل سياسة أمريكية إمبريالية لا يحكمها عقل أو فكر سياسي، ولا تسعى سوى إلى مزيد من الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط من خلال تمكين إسرائيل كقوة مهيمنة على الأرض بالقضاء على إيران عدوها الاستراتيجي الذي يشكل قوة عسكرية كبرى في مواجهتها.
المفاوضات إذن لم تكن سوى غطاء أو تعتيم لقرار الحرب الذي سبق اتخاذه. ولا ينطلي على أحد ما يزعمه نتنياهو من أن قرار الحرب يهدف إلى تحرير شعب إيران من النظام الذي يحكمه، فتلك مفارقة مسيرة للسخرية: إذ كيف يمكن لدولة احتلال غاشم أن تزعم أنها تسعى إلى تحرير شعب دولة أخرى!
في ضوء هذه الدوافع، وفي ضوء ما يجري على الأرض، يمكننا قراءة تداعيات هذه الحرب.
لقد جاء الرد الإيراني سريعًا بإشعال المنطقة كما وعدت، ولكن القيادة الإيرانية قد ارتكبت خطأً جسيمًا في ردها باستهداف مناطقَ في كل دول الخليج لا تمثل قواعدَ عسكرية أمريكية. وبذلك قامت باستعداء دول الخليج عليها، وهو ما يصب في مصلحة السردية الأمريكية بأن النظام الإيراني عدواني خطير على المنطقة بأسرها، وهو ما يؤدي إلى تعاطف كثير من الدول مع الضربة الأمريكية/الإسرائيلية، بدلًا من مشاركتها في دعم الوساطة العُمانية والتدخل لحل هذا الصراع، حفاظًا على مصالحها الاقتصادية التي يهددها الصراع والتوتر في المنطقة.
ولكن هذا الخطأ الجسيم قد غطى على خطأ جسيم آخر من الطرف المعادي، وهو استهداف مدرسة ابتدائية للبنات راح ضحيتها قرابة تسعين طفلة. والحقيقة أن السياسة الأمريكية الراهنة تتسم أيضًا بالغشومية السياسية: فإذا كان هدف الإدارة الأمريكية هو القضاء على النظام الإيراني وتبديله بنظام آخر موالٍ (وهو الهدف الذي سعى نتنياهو إلى تحقيقه بممارسة الضغوط على ترامب نفسه)، فإن هذا الهدف كان يمكن تحقيقه بالسعي إلى تفكيك النظام الإيراني من الداخل على الأمد الطويل. فضلًا عن أن اغتيال المرشد والقادة لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار النظام، بل يمكن أن يخلق حالة من الالتفاف الشعبي حول النظام، ولو مؤقتًا.
كما أن تغيير النظام نفسه لا يمكن أن يؤدي إلى قبول الشعب الإيراني نظامًا يقرره ترامب ونتنياهو.
فهل ستنتهي الحرب بإعلان سقوط النظام الإيراني وانتصار الولايات المتحدة وإسرائيل بحكم تفوقهما على إيران في موازين القوى العسكرية؟ يصعب تصور ذلك؛ لأن الأنظمة الدينية لا يمكن سقوطها بين ليلة وضحاها.
ناهيك عن أن الولايات المتحدة لم تشن من قبل حربًا عدوانية وخرجت منها منتصرة، على الأقل على المستوى الاستراتيجي (وهو درس لم تتعلمه الإمبريالية الأمريكية). كما أننا لا نعرف بعد قدرات السلاح الصاروخي الذي لا يزال في جعبة إيران، وهو ما سوف تكشف عنه الأيام القادمة.
وفضلًا عن ذلك، فإن إيران لا تزال في جعبتها المخاطرة باللجوء إلى إغلاق مضيق هرمز. وفي هذه الحالة سوف تتضرر الأسواق العالمية، خاصةً ما يتعلق بالطاقة التي سوف ترتفع بشكل غير مسبوق؛ حيث إن قرابة ثلث إمدادات الطاقة العالمية من النفط والغاز تمر عبر هذا المضيق.
ولا شك في أن معظم الدول الخليجية التي ليست لديها منافذ بحرية أخرى، سوف تتضرر ضررًا بالغًا.
حقًّا إن ارتفاع أسعار وحدات الطاقة يمكن أن يرفع من عائداتها، ولكن توقف التصدير أو حتى ضعفه الشديد سيؤدي بالضرورة إلى خسائر جسيمة؛ وبذلك يتبدى لنا أن الكل خاسر في النهاية ما لم تتوقف هذه الحرب أولًا.
