الحروب والوحدة الوطنية
04 مارس 2026
04 مارس 2026
تعدت الحرب الأخيرة (الإسرائيلية الأمريكية - الإيرانية) مساحتها بصورة أكبر مما كانت عليه في المناورات السابقة بينهما، حيث امتدت اليوم إلى غارات وإطلاق صواريخ في دول الخليج والعراق والأردن، كما تمددت في لبنان، واحتمال أن تتبعها اليمن ودول أخرى، هذا الوضع يؤثر بشكل سلبي على جوانب أمنية واقتصادية وسياحية، وعلى العلاقات المستقبلية.
دول الخليج العربي تجاوزت لعقود سالفة أن تكون موضعًا للصراع ومكانًا للحروب، فقد مرت منذ بدايات تحديثها بصراعات اليساريين في اليمن وجنوبه خصوصا، ثم امتدادات وآثار حرب أكتوبر 1973م، وآثار الحرب الأهلية اللبنانية واجتياح إسرائيل للبنان، وما حدث في أفغانستان، ومآسي فلسطين التي لم تتوقف حتى اليوم، إلا أن المؤثر الأكبر كانت الثورة الإيرانية وسقوط الشاه، وحادثة الحرم المكي، وكلاهما في 1979م، وما نتج من ذلك من الحرب العراقية الإيرانية (حرب السنوات الثمان)، ثم اجتياح العراق للكويت، وبعدها حرب الخليج، ثم الحرب الأمريكية على العراق وسقوط النظام، وأحداث 2011م، وبعدها أحداث سورية وليبيا والسودان، وحرب اليمن 2014م.
المنطقة في عالمنا العربي ـ الخليجي على وجه الخصوص ـ على أهميتها جغرافيا واقتصاديا، استطاعت دول الخليج أن تتماسك لعقود طويلة، مقدمة التعقل في مواجهة هذه التحديات المتكررة، وأحداث المنطقة الملتهبة، التي لم تستقر منذ مراحل الاستعمار المتكررة، ثم زراعة إسرائيل في المنطقة، وتدليلها من قبل بريطانيا ثم أمريكا، ومحاولة زرع الفوضى بين حين وآخر.
بيد أن هذه الحرب الأخيرة تتطلب أكثر تعقلا من قبل دول الخليج لكونها المتضرر الأكبر منها، ومحاولة امتداد الحرب إليها هي محاولة لخلق فوضى في الخليج ترجعه إلى مرحلة ما قبل التحديث، لتكون هذه المنطقة غير آمنة، وغير مؤهلة للاستثمار، وبالتالي القضاء على ما تبقى من حداثة واستقرار عربي، حيث غالب الدول العربية اليوم تعاني من تراجع أمني واقتصادي، أثر على الجوانب الاستثمارية والسياحية والمعرفية والثقافية.
نحن اليوم في منطقة الخليج العربي بحاجة في هذه المرحلة الراهنة إلى وحدة خليجية أكثر من أي وقت مضى، فلسنا من أشعل هذه الحرب، ولسنا طرفا في إشعالها، لكنها فرصة لهذه الكيانات المتصارعة أن نكون طرفا فيها، فليس من مصلحة هؤلاء جميعا استقرار منطقة الخليج، ولا تقدمها معرفيا واقتصاديا، ولا جعلها قبلة سياحية واستثمارية، فهناك محاولات لخلق فوضى داخلية إن حدثت ـ لا قدر الله ـ سيرجعنا إلى مراحل من الفوضى والتخلف مرة أخرى.
ما أراه في وسائل التواصل الاجتماعي ، من الحسابات الخليجية ذاتها، ومنها إعلامية ودينية وثقافية ـ للأسف ـ تريدنا أن نكون طرفًا مصفقًا لهذا الاتجاه، أو الاتجاه الآخر، ومحاولة لزرع فوضى داخلية، وكأننا في لعبة كرة قدم، وليس في حرب لا ترحم أحدًا، خصوصًا أن من يسوسها اليوم من أطراف الدول الثلاث يغلب عليهم التهور وعدم التعقل، كما ينطلقون جميعا من اغترابات لاهوتية، يبررون الدين والنصوص المقدسة في هذه الحرب، كلٌ حسب منطلقه النصي والتأريخي.
لهذا علينا أن ندرك اليوم أن هناك من يريد أن ترجع هذه المنطقة إلى الخلف، وأن يسود عدم الاستقرار فيها، وأن يخلق فيها ولاءات خارجية، كانت مذهبية أم سياسية أم فكرية، حينها سنرى خليجا متخلفا، غير مستقر سياسيا ولا أمنيا، ويهون هذا عندما تكون الرغبة من الخارج إذا كان من فيها مستوعبا لجميع ذلك، لكن المصيبة عندما يكون من أبنائها من يريد خراب بيتهم الخليجي بأيديهم، كان عن إدراك لأغراض شخصية، أو عدم إدراك لأسباب مذهبية وعاطفية غير متعقلة.
عليه، في هذه الفترة علينا «في وقت الأزمات والحروب إذا اقتربت من محيطك هناك أمران ـ في نظري ـ لا ثالث لهما: الوطن ولاء وعملًا، ثم الالتفاف حول القيادة المركزية الواحدة وعدم الحياد عنها، والبعد عما يثير الفرقة، فما يسع وقت السلم يضيق وقت الشدة، ويبقى شيء واحد هو وحدة الوطن وترابه. وأما ما يجري خارج الوطن للتعامل معه هناك مؤسسات أدرى به، ولها القدرة على التعاطي، والثقة بها في مثل هذه الحالات ضرورة لا محيد عنها، وما علينا إلا نكون أذن خير، ودعاة إلى السلم، فالحرب بلاء لا ترحم أحدًا، وتمددها يخدم من أشعلها، لجعلنا نتصارع في وقت الأزمات، وتعم الفوضى لتحقيق مصالح المتصارعين.
لسنا مطالبين اليوم أن نكون محللين سياسيين دون وعي لجميع الزوايا، أو مناضلين من خلف الشاشات، أو أن نستغل مثل هذه المرحلة للظهور، أو نجعلها فرصة لإخراج صراعاتنا الشخصية والمذهبية، نحن اليوم بحاجة - كما أسلفت - إلى وحدة خليجية متعقلة ومتماسكة، أن ننظر إلى بيتنا أولا، ثم ننظر إلى الآخر، وأن ننطلق من رؤية المؤسسات المعنية بذلك، ثم لسنا بحاجة إلى مناضلين يستغلون عواطف الناس في هذه المرحلة؛ فالتريث والتثبت والوحدة والثقة بمؤسسات دولنا هي التي تخرجنا منها بأخف الضرر، وليس بإبراز الذوات، والبحث عن تفاعلات وشهرة وهمية لأجل الذات، وليس الأوطان واستقرارها.
