مخاطر الفراغ السياسي في إيران
04 مارس 2026
04 مارس 2026
يشير النقّاد للهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يملك خطة لما سيأتي بعد ذلك. وهم في ذلك ليسوا مخطئين: عندما يتباهى ترامب بأنه يستطيع حلّ الحروب في يومٍ واحد، فهو لا يفعل أكثر من كشف حدود مداه المتواضع في التفكير والاستيعاب. لكن المشكلة الحقيقية ليست قصر أفق ترامب الزمني؛ بل ضيق إدراكه للمخاطر وما تعنيه فعلا.
في حين أن حملة ترامب الجوية لا تعكس أي استراتيجية بالمعنى التقليدي للكلمة، فهي قائمة على فرضية تشغيلية واضحة: النظام الإيراني يشكّل تهديدا للأمن الأمريكي، وتدمير هذا النظام يقضي على التهديد.
وهو الاعتقاد الأساسي نفسه الذي ألهَم الحروب الأمريكية السابقة الاختيارية، من العراق إلى ليبيا. وقد ثبت خطأ هذه الفرضية آنذاك، ومن المرجح أن تُثبت خطأ كارثيا الآن.
تمتلك الولايات المتحدة قدرة استثنائية على تدمير سلطة الدولة المركزية من الجو، لكنها تفتقر إلى قدرة مماثلة لإدارة ما يلي ذلك. فالفجوات في السلطة لا يمكن استهدافها بواسطة الذخائر الدقيقة، ولا يمكن رسم خريطتها بالأقمار الصناعية، فمِن ثم يقلل التفكير الاستراتيجي الأمريكي بشكل منهجي من حجم الخطر الذي تمثله هذه الفجوات.
ويعكس ذلك تحيّزا معرفيا متكررا في الولايات المتحدة؛ فالتهديدات التي لا يمكن مواجهتها عسكريا تحظى باهتمام أقل من تلك التي يمكن معالجتها بالقوة. لكن أخطر المخاطر وأكثرها غالبا ما تظهر بعد انهيار السيطرة المركزية، حين تتشتت المخازن العسكرية، وتتفتت سلاسل الحفظ، وتختفي آليات المساءلة.
كان ينبغي أن توضح حرب العراق هذا الواقع بجلاء. ففي عام 2003، دمرت الولايات المتحدة الدولة العراقية على فرضية أن نظام صدام حسين يشكّل خطرا مباشرا وحادا على الأمن الأمريكي. وما أعقب سقوط النظام لم يكن الأمان، بل الفوضى. فقد نُهبت مئات المستودعات العسكرية خلال أيام قليلة، واغتالت الأسواق السوداء بأسلحة خفيفة، وقذائف RPG، وذخائر المورتر، لتصل إلى أيدي فاعلين كانوا أقل قابلية للتنبؤ، وأقل ظهورا، وأصعب ردعا بكثير من نظام صدام.
وشمل ذلك ظهور تنظيم داعش، الذي نهض في نهاية المطاف من أنقاض المؤسسات العراقية المدمرة.
فعندما اجتاح الموصل عام 2014، استولى التنظيم على مخزونات كبيرة من الأسلحة التي زودت بها الولايات المتحدة الجيش العراقي، وهو ما مثل جيلا ثانٍ من انتشار الأسلحة ناتجا عن الفعل الأصلي لتدمير الدولة. وكان هذا النمط هيكليا وليس مصادفة.
كان من المفترض أن تعزز ليبيا هذا الدرس. فبعد أن ساعد حلف شمال الأطلسي في الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011، انهارت مؤسسات الدولة بسرعة، و«اختفت» ما بين 3,000 و12,000 صاروخ سطح ـ جو محمول على الكتف (MANPADS) قادر على إسقاط الطائرات المدنية، لتظهر لاحقا في أسواق السلاح في الساحل، وسيناء، وغزة، وما وراءها.
تؤكد هذه الحوادث ما توصلت إليه كل الدراسات المنهجية حول «قطع رأس القيادة» في الأنظمة ضعيفة المؤسسات: فالنتيجة عادة هي التفكك لا الاستقرار. وسينطبق الأمر نفسه على إيران. لكن ما قد يتفكك بعد سقوط النظام يمكن أن يكون أكثر خطورة بكثير من صواريخ RPG أو MANPADS. فقبل الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية في يونيو الماضي، كانت الجمهورية الإسلامية تمتلك نحو 441 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء 60%، وهو خطوة تقنية قصيرة عن درجة الأسلحة النووية. وتكفي هذه الكمية، وفق تقديرات الخبراء، لصنع نحو عشرة أجهزة نووية. وقد صرحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي حُرِم مفتشوها عمليا من الوصول إلى مواقع إيران النووية منذ الضربات، بأنها لا تستطيع تحديد حجم أو موقع مخزون إيران الحالي من اليورانيوم المخصب. ويرى بعض المحللين أنه دُفن في منشآت تحت أرضية منهارة، بينما يعتقد آخرون أنه نُقل إلى مواقع سرية قبل القصف.
وتعتمد كل هذه التقديرات على أدلة جزئية ـ صور الأقمار الصناعية، استخبارات الإشارات، وتصريحات الحكومة الإيرانية ـ وكلها عرضة للتلاعب. لكنها على الأقل تُثير الشكوك حول مزاعم إدارة ترامب بـ«الإبادة التامة».
السخرية الاستراتيجية الجوهرية في منطق تدمير النظام تكمن في أن المنشآت التالفة، والمواد النووية المتناثرة، تشكّل بالضبط الظروف الأكثر ملاءمة للتحويل غير المشروع للمواد النووية. بمعنى آخر، بعيدا عن إنهاء خطر الانتشار النووي، فإن الضربات الأمريكية ـ الإسرائيلية قد فاقمت هذا الخطر.
حتى لو ظل احتمال التحويل منخفضا، فإنه يجب التعامل معه بأقصى درجات الجدية. وهذه هي القاعدة الأساسية للأمن النووي: المواد الانشطارية التي لا تخضع لسيطرة دولة آمنة يجب تقييمها وفق أسوأ السيناريوهات المحتملة، لا وفق متوسط الاحتمالات. وعندما تمكنت الشبكات الإرهابية من الوصول إلى صواريخ MANPADS، كان ذلك كارثة. وإذا تمكنت من الحصول على مواد نووية صالحة للاستخدام في الأسلحة، فسوف يتحطم منطق الردع النووي ذاته.
الردع يتطلب وجود عنوان يمكن الرجوع إليه، حتى لو كان هذا العنوان دولة معادية. فحتى الدولة المعادية لها عاصمة، وقيادة، وسكان ترغب في الحفاظ عليهم. لا يمكنك التفاوض على ضمانات مع فراغ، ولا توقيع اتفاقية مع إقليم متفكك، ولا التحقق من الالتزام لدى دولة لم تعد موجودة. الدولة التي تحافظ حاليا على وصاية المواد النووية الإيرانية ـ مهما كانت ناقصة أو معادية ـ هي الكيان الوحيد الذي يمكن تحقيق قيد قابل للتطبيق من خلاله. دمرها، وستجعل حلّ التهديد النووي أكثر إلحاحا وعمليا مستحيلا.
إن التجربة السوفييتية تحمل دروسا مهمة. فعندما انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991، ترك تدهور أنظمة الأمن المواد النووية عرضة للخطر. واستنادا إلى مبادرة جورج سوروس، الذي أنشأ مؤسسة لدعم العلماء السوفييت بهدف منع هجرة العقول وتقليل خطر الانتشار النووي، بدأت الولايات المتحدة في الاستثمار بشكل كبير في برامج تعاونية للحد من التهديدات النووية.
وحالة إيران، من بعض النواحي، أكثر هشاشة، إذ إن بنيتها التحتية النووية تجمع منذ زمن بين عناصر معلنة وسرية. كما أن المواد الفيزيائية ليست الشاغل الوحيد؛ فقد دربت إيران على مدى العقود عددا كبيرا من العلماء النوويين. وفي سيناريو انهيار الدولة، يصبح هؤلاء الخبراء عوامل حرة متاحة لأي جهة مستعدة للدفع. وفي الوقت نفسه، يمكن إعادة توظيف المواد النووية منخفضة الدرجة في صنع أجهزة إشعاعية متناثرة (القنابل القذرة) القادرة على تلويث المناطق الحضرية. وفي غياب الوصاية المؤسسية، يشكل كل موقع تخصيب، أو منشأة بحثية، أو مفاعل، خطرا فريدا بحد ذاته.
إن القضاء على خصم ظاهر لا يلغي التهديد الكامن؛ بل يحوّله إلى شيء غامض، غير شفاف، لامركزي، غير مسؤول، ولا يمكن التفاوض معه أو مراقبته. وحتى تدرك الولايات المتحدة ذلك ـ وحتى تستوعب دروس بغداد وطرابلس، وربما طهران ـ ستواصل إنتاج مخاطر لا يمكن لأي صاروخ الوصول إليها.
ستيفن هولمز أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وهو المؤلف المشارك (مع إيفان كراستيف) لكتاب The Light that Failed: Reckoning.
خدمة بروجيكت سنديكيت
