رؤية فلسفية لبطولة كأس العالم في كرة القدم

07 يوليو 2026
07 يوليو 2026

ليس هذا بمقال تحليلي رياضي لبطولة كأس العالم لكرة القدم، وإنما هو مقال فلسفي تأملي لرياضة كرة القدم التي تتمثل غايتها في هذه البطولة. والواقع أن بطولات كرة القدم تتمثل أيضا على مستويات أدنى، مثل: بطولات القارات (كما في بطولات أوروبا وآسيا وإفريقيا)، والبطولات المحلية الخاصة بكل دولة. ولذلك، فإنني قبيل بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تجري حاليَا، كتبت مقالا بعنوان «تأملات فلسفية في أحوال كرة القدم المصرية» تم نشره في الصفحة الأولى من جريدة المصري اليوم. لكن بطولة كأس العالم هي شأن آخر؛ لأنها الغاية القصوى لكل ما هو دونها في البطولات: فالإعداد للبطولات المحلية يكون من خلال تأهيل الفرق التي يتنافس المشجعون في دعمها بحماس شديد؛ لعل إحداها يكون مؤهلا لخوض البطولة القارية، ولعلها تفرز لاعبين مؤهلين لخوض بطولة كأس العالم التي هي الغاية النهائية، وهي البطولة التي توحي لنا بملاحظات جوهرية هي وليدة التأملات المباشرة:

الأمر الأول الذي يمكن أن نلاحظه يتعلق بطبيعة التشجيع والمشجعين في بطولة كأس العالم أو حتى البطولات القارية المؤهلة له؛ إذ إن المشجعين هنا يكونون متوحدين لدعم الفريق الذي يلعب باسم دولتهم التي ينتمون إليها، بصرف النظر عن الفرق المحلية التي ينتمي إليها كل لاعب في الفريق القومي. وهذا يعني أن التشجيع في هذه الحالة يكون مرتبطا بفكرة الهوية والقومية؛ ولذلك فإننا لا يمكن أن نتصور شخصا ما يقوم بتشجيع فريق أجنبي حينما يكون هذا الفريق في مواجهة تنافسية مع فريق دولته التي ينتمي إليها.

ومن هنا، فإني أرى أن تشجيع المواطن لفريقه القومي يكون أكثر نضجا من تشجيع المرء لفريقه المحلي داخل موطنه الذي يكون تشجيعا محموما بلا مبرر حقيقي سوى بعض من الدوافع الخاصة المرتبطة بالموطن الخاص، أو الميول الأسرية إلى تشجيع فريق ما، أو بعض الخبرات الاجتماعية السابقة، وما إلى ذلك. وهكذا يمكن القول إن التشجيع في بطولة كأس العالم يكون محموما مثلما يكون التشجيع للفرق المحلية، ولكن التشجيع في حالة بطولة كأس العالم يتخلص من تحزبه الجزئي الخاص، ليتحول إلى تحزب عام للدولة، وكأن هذا التشجيع قد أصبح تعبيرا عن الشعور بالهوية الوطنية، أعني المرتبطة بالموطن أو الوطن. ولكن الوطن يكون له أيضا دلالة أوسع من الوطن؛ الموطن الخاص بالمرء، وهذا ما يتبدى -على سبيل المثال- حينما نتحدث عن «العالم العربي».

ولهذا؛ فإننا عادة ما نجد أن المشجعين في كل الدول العربية ينحازون إلى مؤازرة أي فريق عربي حينما يكون في مواجهة فريق أجنبي، اللهم إلا إذا فريق دولتهم العربية في مواجهة فريق دولة عربية أخرى: ذلك أنه في هذه الحالة الأخيرة يتراجع التحيز ليصبح تحيزا مرتبطا بالهوية الوطنية الخاصة بالمرء في مواجهة هويته القومية باعتباره مواطنا عربيّا. ومن هنا، نرى أن فكرة التحيز لها دلالة مهمة في سائر أشكال حياتنا؛ ولهذا السبب نفسه، قمت بترجمة كتاب مهم عن مفهوم التحيز للنشر بسلسلة عالم المعرفة بالكويت، وإن لم يصدر بعد (وأنا لا أقول ذلك على سبيل الإعلان، وإنما على سبيل التنبيه على أهمية فهم أساليب التحيز في سائر مناحي حياتنا الإنسانية، بما في ذلك ممارسة الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم).

ولكن، لماذا تأتي رياضة كرة القدم على رأس غيرها من الرياضات، من قبيل: التنس وكرة السلة، فضلا عن السباحة والجري وغير ذلك كثير. لنتأمل -على سبيل المثال- رياضة كرة التنس التي ربما تكون من أهم الرياضات ذيوعا من خلال بطولاتها العالمية العديدة: أول ما نلاحظه هو التدني الهائل لعدد جمهور هذه الرياضة بالقياس إلى جمهور كرة القدم. والواقع أن هذا الاختلاف والتباين الشديد من الناحية العددية يرجع إلى اختلاف أكثر عمقا؛ لأنه يكون متأصلا في نوع من الاختلاف النوعي، لا العددي: ذلك أن جمهور بطولات كرة التنس يكون غالبا من النخبة في مقابل جمهور بطولات كرة القدم الذين يكون أغلبهم من العوام: ولهذا السبب نفسه، فإننا نجد أن المشجعين المتحيزين للاعب عالمي ما في بطولات كرة التنس، يقومون بالتشجيع من دون غوغائية، ويكونون في الوقت ذاته قادرين على إبداء أعجابهم بأداء البطل المنافس للبطل الذي يتحيزون له.

وكل هذا يستدعي عندنا سؤالا أكثر عمقا، وهو: لماذا تكون كل هذه الهيمنة والأولية لبطولة كأس العالم لكرة القدم على غيرها من البطولات؟! لا شك في أن هناك ما يتعلق بطبيعة كرة القدم ذاتها باعتبارها، أولا، لعبة جماعية لها طابع وطني وقومي، أعني: إن الفريق الذي يلعب إنما يلعب باسم الدولة التي ينتمي إليها في المقام الأول. ولا شك أيضا في أن هذا يُعد مبررا معقولا للتشجيع المحموم لكرة القدم الذي كثيرا ما يصل إلى حد الغوغائية. كما أن طبيعة اللعبة ذاتها مليئة بالإثارة والتشويق، وانتهاز الفرص، وغلبة الحظوظ أحيانا. وهذا التشجيع المحموم لا يعبر عن نفسه فقط من خلال الصيحات الانفعالية المدوية طيلة المباراة، وإنما أيضا من خلال رفع أعلام الوطن ورسمها على الوجوه، وارتداء الأزياء التراثية؛ بل من خلال رفع الشعارات السياسية. وهذا وغيره هو ما يجعل لبطولة كأس العالم في كرة القدم امتيازا خاصا لها على غيرها من البطولات الرياضية، فقط بحكم جماهيريتها الواسعة عبر العالم، وبحكم طبيعة المتعة التي تكفلها والتي تكون مرتبطة بالإثارة الحسية لا بالمتعة العقلية الخالصة كما في بطولة العالم للشطرنج على سبيل المثال: ولكن تفصيل القول في هذا الأمر ربما يستحق مقالا قائما بذاته.

د. سعيد توفـيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة