جودة القرار والأثر المجتمعي قلب الفلسفة السلطانية الحديثة

03 يناير 2026
03 يناير 2026

إنّ فلسفة الإدارة السلطانية الحديثة لدى جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- تمثل فكرًا انتقاليًا ينقل المؤسسات من التمكين إلى التأثير وصناعة جودة القرار، وهي نقلة نوعية في فلسفة الحكم والإدارة العامة.

فقد شهدت سلطنة عمان خلال الفترة الماضية موجة واسعة من التحولات والتغييرات من حيث تمكين المؤسسات بالقوانين والتشريعات، وإعادة الهيكلة الإدارية، وتعزيز الموارد المالية والبشرية، والاتجاه بالمؤسسات للتحول إلى سياسة عدم المركزية لتعزيز الإنتاج والتفاعل المرن بين القطاعات والمؤسسات. من هنا يبرز فكر جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم– حفظه الله ورعاه – بوصفه فكرًا معاصرًا يحول الإنجازات من مرحلة البناء والنهضة إلى مرحلة التطوير والتأثير.

ولأن التمكين في الفكر السلطاني يمثل أداة لتأسيس النّهضة المتجددة؛ وجه جلالته بإعادة هيكلة الجهاز الإداري، وتوضيح الاختصاصات، وتمكين المجالس والمؤسسات قانونيًا وتنظيميًا، وربط الصلاحيات بالمسؤوليات.

وهذه التحولات تعد أرضية عمل للبدء في تنفيذ «رؤية عمان 2040»، وتحقيق أهدافها وأولوياتها وفق منظومة عمل تشاركية وتكاملية بين مختلف القطاعات التشريعية والتنموية وفق الخطة التنفيذية الأولى للرؤية الوطنية.

لذلك يأتي الطرح الجديد في مرحلة أخرى وفق الخطة التنفيذية الثانية للرؤية؛ لتعزيز نتائج العمل المؤسسي بمؤشرات الأثر الوطني، فتصبح القرارات أكثر تأثيرًا وتفاعلًا في المجتمع بعد دراسات تحليلية واعية، وتبني المبادرات الواقعية القابلة للتنفيذ ولها أثر عميق في تعزيز جودة الحياة والاستقرار الاقتصادي.

وتمثل جودة القرار قلب الفلسفة السلطانية؛ فالقرار الرشيد يكون قائمًا على معلومات دقيقة مدعومًا بالتحليل العلمي، ونابعًا من فهم عميق للسياق المجتمعي والاقتصادي؛ لذلك فالإشارة إلى تعزيز ثقافة التحليل، وتشجيع التفكير النقدي، وربط العمل المؤسسي بالبحث والمعرفة واستشراف المستقبل يكون واضحًا في منهجية الأعمال والخطط بحيث تضع السيناريوهات المناسبة لحلحلة التحديات ومعالجتها، ووضع خطط تلامس احتياجات المجتمع الحالية والمستقبلية وفقًا لمؤشرات واقعية ومدروسة.

كما أن تأكيد جلالته على تحويل المقترحات إلى نتائج فعلية، وربط القرار بالواقع يعكس انتقالًا واعيًا لمؤسسات تُحدث فرقًا في مسيرة العطاء والبناء الوطني.

وتنتهج القيادة الحكيمة فكرة المسؤولية المشتركة في معالجة القضايا الوطنية المطروحة بحيث لا يقع التعامل معها على عاتق جهة محددة، بل هو مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة كافة، لإيجاد الحلول المناسبة للتحديات، وتطوير السياسات العامة، ودعم توجهات الدولة لخدمة المواطنين. وكلما ارتفع مستوى تكامل أداء المؤسسات وربطه بمؤشرات الأثر لا مؤشرات النشاط ارتفعت جودة القرار وقوة تأثيره؛ وبالتالي نجاح هذا التكامل ينعكس في تحقيق المنجزات الوطنية المرسومة، ويحقق ترسيخ المواطنة الفاعلة، والمسؤولية الوطنية التي تعد جزءًا من هوية المؤسسات بمختلف القطاعات.

وهذه الرسالة تظهر جلية في خطابات جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه-؛ حيث تُبرز نهجًا شموليًا في اتخاذ القرار يقوم على الشراكة والتعاون المؤسسي بدلاً من المركزية. وفي لقاءات جلالته مع المجالس والمؤسسات يظهر هذا الفكر ليعكس بعدًا حديثًا في إدارة الدولة. فالفلسفة السلطانية الهيثمية لا ترى القرار فعلًا فرديًا، بل نتاج منظومة عمل متكاملة؛ فهناك جهة تحلل وتستشرف المستقبل، وجهة تنفيذية تطبّق السياسات وترصد المقترحات، وتعزز مجالات تنفيذها، وإعلام اجتماعي ورقمي يفسر الإجراءات والقرارات ويتفاعل مع المجتمع. لذلك فالفلسفة السلطانية الحديثة قائمة على التشاركية والمعرفة والحوار الوطني، وموجهة نحو الإنسان والنتائج والأثر. وذلك لتعزيز الكفاءة المؤسسية وتحقيق أثر تطبيقي للمبادرات، والتأكيد على أهمية تحويل المقترحات إلى تنفيذ فعّال؛ بحيث تنتهج آليات تنفيذية ملموسة تخدم المجتمع، وتحقّق نتائج واقعية.

كما تبني الإدارة الحديثة قواعد الحوار الوطني من خلال الحث على التواصل المجتمعي ودراسة متطلبات الرأي العام والمجتمع، وضرورة التفاعل الجاد مع قضاياه والتحديات القائمة بما يشمل رفع مستوى الوعي العام، ومواكبة التطورات الاجتماعية، واستشراف المتطلبات الوطنية المستقبلية، والسعي لإبراز الجهود المبذولة والإنجازات المتحقّقة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعية مع التأكيد على أهمية إيصال الرسائل الصحيحة والمناسبة تجاه القضايا الوطنية المطروحة.

وهذا التوجيه يتماشى مع حاجة المجتمع في عصر الرقمنة إلى تعزيز المحتوى الإعلامي الرقمي الدقيق، وإبراز المعلومات الدقيقة والموثوقة في مواجهة تحديات المعلومات المضلّلة، وتعزيز الحوار الوطني الهادف عبر منصات رسمية؛ لذلك يبرز دور الإعلام والمؤسسات في إيضاح الرسالة الإعلامية والقرارات للمجتمع. فالقرار لا يكتمل دون فهم المجتمع له، والحوار المعاصر يبنى على التقارب والتواصل الفكري والثقافي.

لذلك أثر القرار يظهر من خلال رفع مستوى الوعي المجتمعي لنتائجه، وهذا التوجه يعكس فلسفة قيادية ترى أن الإنجاز الوطني لا يتحقق بالتخطيط فقط، بل بتفاعل المجتمع ومشاركته الوجدانية.

وهذا إدراك من الفكر السامي للقيادة الحكيمة بأهمية تعزيز المواطنة الرقمية والتربية الإعلامية في ظل التحولات الرقمية، ويترجم هذا التوجه الانتقال المرحلي من الوعي الرقمي إلى القيمة الرقمية الاقتصادية؛ حيث ينظر جلالته إلى أنّ التحول الرقمي هو تحول ثقافي واقتصادي متكامل وليس تقنيًا فقط، وحيث تكون فيه المواطنة الرقمية والتربية الإعلامية شرطين أساسيين لنجاح الاقتصاد الرقمي وتحقيق أثره واستدامته. فالاقتصاد الرقمي -كما يتجلى في رؤية جلالته- يقوم بالأساس على إنسان واعٍ رقميًا قادر على إنتاج المعرفة، واستخدام الإعلام والتقنية بأخلاقيات ومسؤولية وقيم ثابتة. فمنبعه الرأس المال الفكري؛ لأنه اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار وريادة الأعمال، ويعتمد على البيانات، والمحتوى الإعلامي، والمنصات الرقمية.

وكون الإعلام الرقمي يصنع الانطباعات التي قد تؤثر في القرار الوطني والاستثمار يترتب عليه تعزيز المعرفة بسلوكيات المواطنة الرقمية، وتعزيز الشباب الواعي إعلاميًا؛ كونه رأس المال الحقيقي للاقتصاد الرقمي من خلال تعزيز مهارات التعامل الإعلامية لمحاربة الشائعات، وضبط المحتوى الرقمي، ونشر الوعي الإعلامي الدقيق؛ وذلك لتجنب سوء الاستخدام الرقمي الذي يهدد الثقة بالسوق، وسمعة المؤسسات، والاستثمار، والاستقرار المجتمعي.

ومن هذا المنطلق تصبح التربية الإعلامية والتوجيه والمواطنة الرقمية أداة لحماية القيم الثقافية والاقتصادية في العصر الرقمي، وتمكين الشباب من تحويل المنصات الرقمية إلى أدوات لها قيمة اقتصادية. وهذا ينسجم مع توجهات «رؤية عمان 2040» في دعم ريادة الأعمال الرقمية، وتمكين المشروعات الناشئة والواعدة والصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الاقتصاد الإبداعي والمحتوى الرقمي، ورفع مستوى الوعي الإعلامي وتأثيره في الاقتصاد والاستثمار، وبالتالي تحقيق التكامل بين القيم والاقتصاد المستدام، وتحويل الفضاء الرقمي إلى منصة مجتمعية وتنموية فاعلة.

د. بدرية بنت ناصر الوهيبية رئيسة صالون المواطنة الثقافي