تأملات حول دروس الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران
كعادته، ليس في الشرق الأوسط ما يدهش حينما تتدحرج التقلبات السياسية نحو الحروب والفوضى، ويكاد لا ينتهي صراع إلا ليشتعل آخر، ولا يبدو أننا سننجو من وطأة هذه المطاردة المجنونة لكل ما هو عقلاني وإنساني وقيمي في أصقاع هذه الجغرافيا المنكوبة، وتلك الحالة من الهوس المدفوع بالرؤية الأمريكية/ الإسرائيلية والغربية للمنطقة من بعد الحرب العالمية الثانية، كما لا يتسع المقام لاستعراض سلاسل الحروب التي استهدفت دولها خلال الثلاثين عاما الماضية؛ فالبؤس يخيم على العديد من الأقطار العربية ولا يتوقع أنها ستخرج من هذا النفق قريبا بعد هرولة العديد منها إلى قوائم الدول الفاشلة جراء الحروب الخارجية والداخلية؛ وللمفارقة المروعة أن يسهم في تدمير هذه البلدان بعض قادتها ورموزها أنفس«هم»، وصولا إلى حرب الإبادة الإسرائيلية التي تستهدف محو الشعب الفلسطيني من أرضه ووجوده وذاكرته، إذ شطحت آلة القتل الإسرائيلية إلى جنون التوحش والطغيان في أبشع وأحقر أشكال السقوط البشري في التاريخ الحديث.
في خضم هذه المطاردة المجنونة لإشعال خرائط المنطقة وحرقها من أجل بسط الهيمنة الإسرائيلية والإبقاء على السردية الأمريكية التي جاء الرئيس الحالي ليحلق بها في أقصى تخوم الغلو بطشا وإقصاء، خاصة في الحرب الأخيرة ضد إيران (ولن تكون الأخيرة)، فإن الحكمة تقتضي بالنتيجة أن يتم تدبر المستخلصات من هذه الحرب وتدارس تحولاتها المتدفقة في المشهد خاصة بعد أن استنفدت السرديات السياسية الغربية الفارغة أغراضها وتجلى نفاقها دون تجميل دبلوماسي أو سياسي ولم يكن شعار«من ليس معنا فهو ضدنا» أوضح وأوقح مما يحدث حاليا في ظل انفجار الحالة الأمريكية ضد كل من لا يدور في فلكها.
والملفت أن ذات الأوضاع تكاد تكون متقاربة مع المناخ السياسي والاستراتيجي والعسكري الذي سبق اشتعال الحرب العالمية الثانية إذ تراكمت تدافعات تلك الحقبة بما فيها الكساد الكبير وما ترتب عليه من انهيار اقتصادي والصراع على الموارد الطبيعية وغيرها بين أقطاب القوى الكبرى آنذاك وسطوة الأيديولوجيات المتناحرة في المعسكر الرأسمالي والشيوعي ونزعة العسكرة التي وجهت اقتصاديات تلك الدول وإنتاجها فضلا عن شهوة التوسع وبسط النفوذ والهيمنة على الأمم التي وجدت نفسها ضحية تلك الصراعات، وصولا إلى انفجار اللحظة التاريخية حينما أقدمت ألمانيا النازية على غزو بولندا في الأول من سبتمبر 1939.
السؤال من هذا كله، كيف ستتموضع المصالح العمانية الاستراتيجية في ظل هذه التحولات؟
لقد تعاملت عمان في هذه الأزمة ضمن أطرها الرفيعة في مضامين فلسفتها السياسية الرامية إلى التهدئة والدعوة للحوار وتجنيب المنطقة ويلات الحروب والكوارث بل ووقفت مواقف أخلاقية شجاعة نادرة في فترة عصيبة من التاريخ الحديث حيث يندفع العالم إلى «اللانظام العالمي» الذي لا مكان فيه لصوت العقل والاتزان والحكمة والإنسانية أمام دعاة الحروب والفوضى.
ورغم التحديات السياسية التي زعزعت المواقف وبلبلت الألباب في الخليج واللغط الذي استهدف الموقف العماني إلا أنه يحسب للدبلوماسية العمانية ثباتها الراسخ والتزامها بالسلم الدولي وحرصها على سلامة حركة الملاحة الدولية واستقرار التجارة العالمية وسلاسل التوريد، وتوج ذلك باستحداث بديل آمن مؤقت لحركة الملاحة في المياه الإقليمية العمانية المشاطئة لمضيق هرمز وتصدر الحراك الدبلوماسي العماني مرة أخرى سياقه الواقعي والبراجماتي والمنطقي.
ومع ذلك، ورغم النجاحات الدبلوماسية العمانية الكبيرة على أصعدة إقليمية ودولية كثيرة ورغم التحديات التي واجهت الوساطة العمانية بين إيران والولايات المتحدة وتخريبها إسرائيليا، إلا أن الأحوال تقتضي تدارس المآلات والتحولات والتعاطي معها بقراءة موضوعية واستقراء مواطن القوة والمصالح الاستراتيجية ضمن هذا المشهد المعقد والمتدفق، وتمحيص ما ينبغي التريث حياله من الأقوال والأفعال دون عواطف أو تحيز طالما أنه لا يخدم المصالح الوطنية راهنا ومستقبلا.
لقد تألقت عمان في سياقها الإقليمي بدبلوماسيتها الرفيعة والأخلاقية مدفوعة بفلسفة سياسية ورؤية متبصرة إزاء الإقليم والمنطقة وهو أمر ما كان ليتأتى دون وجود تقاليد سياسية ودبلوماسية راسخة طوال الخمسين عاما الماضية تستوجب حفظها والبناء عليها لتعزيز المصالح الوطنية والاستراتيجية. ولا يفوتني التنويه إلى حجم الاحترام العالمي الذي تجلى في أسمى صوره بعد إلقاء كلمة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في مقر اليونسكو حيث ظهر جلالته بكل بهاء وحضور زعيما وقائدا ورمزا للسلام والحكمة والثقل السياسي والأخلاقي في عالم يمور بالفوضى والانفلات. ولا غرو أن تتواتر الزيارات والاتصالات الدولية بمسقط السلام والحكمة.
في ذات السياق، أظهرت الحرب الأخيرة كيف تستعد الأوطان وتعد العدة لعدو متربص، ولم يعد خافيا على الألباب المخططات التي تستهدف ضرب استقرار منظومة دول الخليج والسعي للزج بها في حرب مهلكة لاتبقي ولا تذر، مع دولة جارة رغم كل الاختلافات معها وعلى سياساتها. ومن المؤكد أن الوقفة الحازمة للدبلوماسية العمانية ضد ذلك ورفض الأشقاء في المملكة العربية السعودية لمثل هذا السيناريو المدمر يعد تحولا تاريخيا في مجريات المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط ومآلاته.
لعلنا نحتاج في عمان إلى قراءة هذه التحولات والدروس بتعمق واسع، خاصة وأنها شكلت تحديا لافتا للسردية العمانية وكيف تقدم رسالتها للعالم بشكل لم نعهده منذ حرب اليمن والعراق قبلها.
وظهر البعد الإعلامي في مجريات هذه الحرب والصراع من أجل الاستحواذ على مسارات الوعي وتوجيهها نحو بروباغندا المعتدي بصورة فجة، ويحسب للإعلام العماني تلك الحالة الرفيعة من المهنية والموضوعية في تعاطيه مع الأزمة ونقله للموقف العماني وإفساح المشهد لأصوات العقل و الاتزان والإنسانية.
كما شهدنا وربما لأول مرة في تاريخ المنطقة منذ تأسيس الكيان التحول المضاد للسردية الصهيونية، وهناك ما يشبه الرفض العالمي لممارساته البربرية، بل إنه يمكن القول أن الولايات المتحدة نفسها، تشهد ما قد يكون تيارا داخليا مضادا لحالة التأييد الأعمى لإسرائيل وتستشري حالة من الرفض في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الصحفية، وكذلك فوز بعض المرشحين الديموقراطيين المؤيدين للحق الفلسطيني، وهو ما يعكس مساءلة شرائح مختلفة من المجتمع الأمريكي منح أموال دافعي الضرائب إلى الكيان الإسرائيلي لتمويل حرب الإبادة.
وجاءت الحرب الأخيرة لتمس المواطنين الأمريكيين في لقمة عيشهم جراء التبعات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز وشن حرب عبثية ضد دولة تبعد عن واشنطن أكثر من عشرة آلاف كيلومتر ولم تشكل يوما تهديدا حقيقيا ضد مصالحها، بل ووصل الحنق ضد إسرائيل وسياساتها إلى مستوى الرئيس الأمريكي ونائبه بصورة غير مسبوقة.
ولعله ليس من قبيل أحلام اليقظة إذا استمر هذا الزخم في الشارع الأمريكي المشمئز من البربرية الإسرائيلية وموالاة المنظومة الرسمية الأمريكية لها، خاصة لدى شرائح الشباب أن يأتي يوم يتحول فيه شعار «معاداة السامية» الذي يستخدم بطريقة فجة على شاكلة محاكم التفتيش ضد أي صوت مختلف مع توجهات إسرائيل ليصبح شعار «موالاة الصهيونية» بوصفه تهمة عار يشمئز منها الأحرار وأصحاب المبادئ.
الجدير بالذكر أن المشاركات الدولية الأخيرة لمعظم الدول الفاعلة في جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي جاء بوصفه صرخة مدوية في المشهد الدولي ضد تجار الحروب والموت، ورسالة اشمئزاز من رموز «اللانظام العالمي».
يحيى العوفي كاتب ومترجم عماني
