الدفاع عن إنسانيتنا عبر قراءة الخرائط وحفظ الشعر
يُشير لي نظام الملاحة في هاتفي بأن أذهب يميناً فأفعل. يبدو من بعيد بأن الطريق مسدود، لكني أواصل؛ لأن الخريطة لابد تعرف أفضل. هذا حتى أصل للنقطة التي أتأكد فيها بأنه مسدود فعلاً.
ليس هذا أسوأ ما قد يحدث للمرء، ألا تصطاد لنا الأخبار كل فترة وأخرى، قصة عن سائق تبع الـجي بي إس حتى البحيرة، سيارات تجد نفسها على سلالم المشاة، أو سكك الحديد.
القدرة الفائقة للتقنية تجعل من الاعتماد على القدرات الذاتية ضرباً من مضيعة الوقت والجهد. الاعتماد المبالغ عليها - كما نعلم - يُعطل مكنات عقلية، ويأخذ منا القدرة على الحُكم السليم، أو الثقة لمجادلة الآلة.
على سبيل المثال، فأجزاء الدماغ المسؤولة عن الملاحة تتعطل أثناء استخدامنا للجي بي إس. هذه الأجزاء مرتبطة بالذاكرة المكانية، وإبقائها نشطة مهم لمكافحة الزهايمر.
درس باحثون من كلية لندن الجامعية نشاط مناطق الدماغ - التي تشارك في الذاكرة والملاحة، وكذلك قشرة الفص الجبهي التي تشارك في التخطيط وصنع القرار - أثناء تنقل المتطوعين المشاركين في الدراسة في شوارع لندن؛ وذلك لفهم تفاعل هذه المناطق مع تجربة التجوال واستكشاف شوارع جديدة. عندما تنقل المتطوعون يدوياً عبر الشوارع زاد النشاط في تلك المناطق مع زيادة الخيارات الممكنة.
بالمقابل، لم يُلاحظ أي نشاط إضافي عند تتبع تعليمات الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية لمعرفة الاتجاهات؛ ففي هذه الحال لا تتفاعل أجزاء الدماغ بأي شكل مع شبكة الشوارع، وكأنه - وإن لم يتوقف كلياً عن العمل - يتوقف عن الاهتمام بما يحيط به.
لهذا فالنصيحة الطبية تذهب إلى المحاولة قدر المستطاع الاستغناء عن أدوات الملاحة -محاولة التعرف على الطريق قبل سلوكه، الاعتماد على إرشادات الطريق-، الحاسبات، البحث في جوجل أو شات جي بي تي لتذكر الأسماء أو التواريخ أو المعلومات التي نعلم أننا نعرفها، وأن -كما يقترح روائي قديم- نحفظ الشعر.
مع الوقت تتخذ التقنية التي نعتمد عليها ونثق بها (وكثيراً ما نفعل لأسباب وجيهة، أو لا نفعل لأسباب وجيهة أيضاً) موقع المتحكم. فها نحن نُسلم لهذا الكائن العارف بالكثير من الأمور، والقادر على الكثير، ونعطيه متبرعين السلطة ليتحكم بحياتنا. على مستوى نفسي يجعلنا هذا الشعور عرضة للاستغلال والاستغفال، ويُفقدنا الإيمان الديمقراطي: ثمة وحدة قادرة على تسيير الأمور بكفاءة أكثر مما نفعل معاً كجماعة.
ثمة بالطبع مستفيدون من هذه الأيديولوجيا؛ أي فكرة أننا ضئيلون أمام الذكاء الاصطناعي الخارق. وشيئاً فشيئاً لا نتوقف عن تسليم الآلة زمام الأمور بما يتعلق بالوصول إلى السوبرماركت فحسب، بل لتُقرر ماذا نتعلم، لتقضي في خلافاتنا داخل المحاكم، وتقرر بالطبع من يموت في الحروب، بل وتحكمنا حرفياً.
لعلكم سمعتم عن تعيين الحكومة الألبانية لأول وزيرة بالذكاء الاصطناعي -ليست مجرد مواطنة بل وزيرة- كحل لقضايا الفساد التي أثارت الرأي العام، وأججت احتجاجات واسعة في البلاد.
يُجادل هؤلاء بأن الذكاء الاصطناعي أكثر نزاهة وعدالة من البشر المبتلين بالتحيزات المسيرين بالمصالح الشخصية الضعفاء أمام الرشاوى والابتزاز، والبطيئين في إنجاز الإجراءات البيروقراطية متناسين عن قصد أن كل شيء في العالم يُصمم عبر مصممين، ويُصمم على نحو يؤدي أغراضاً يُمكن أن تكون خفية.
وحتى لو افترضنا الأفضل في من يصممون ويمولون مشاريع استبدال البشر بالآلة -لا يجدر بنا بالطبع افتراض ذلك-؛ فإن الخوازميات ليست عرضة للانحياز والإخفاق عبر التصميم الصريح فحسب، بل عبر ما تلتقطه من أنماط معيبة موجودة أساساً، وما تكتسبه من انحيازات اجتماعية وثقافية ضمنية تؤثر في الكفاءة الإدارية للآلة.
الاعتماد على أيدينا وأدمغتنا في أداء الوظائف، وزيادة ثقتنا في أحكامنا لا في قرارات الأدوات التقنية أمور تحمي صحتنا العقلية والنفسية والجسدية بقدر ما تحمينا من التسليم النهائي للآلة الطاحنة.
نوف السعيدي كاتبة عمانية مهتمة بفلسفة العلوم
