خريطة طريق من أجل أمين عام الأمم المتحدة القادم
22 سبتمبر 2026
22 سبتمبر 2026
كانت قيادة الأمم المتحدة دوما عملية موازَنة دقيقة تستلزم التوفيق بين أولويات متناقضة أو متعددة، لكن انهيار النظام العالمي الذي ظل قائما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أضاف بُـعدا جديدا من التعقيد إلى هذا الدور.
الواقع أن الأمين العام القادم، الذي سيتولى مهام منصبه في عام 2027، سوف يتقلد الموقع الأبرز في منظومة الحوكمة المتعددة الأطراف في وقت يمكن اعتباره جدلا أسوأ أوقات التعددية الدولية على الإطلاق.
لإعادة بناء الثقة في التعاون الدولي، يتعين على قائد الأمم المتحدة أن يستعرض هذه الأزمة على حقيقتها: فرصة غير مسبوقة لإجراء إصلاح جوهري.
يتنافس سبعة مرشحين على خلافة أنطونيو جوتيريش، وإن كان التصويت الاستطلاعي غير الرسمي الثالث في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ضَـيَّـق نطاق المنافسة بشكل أكبر (مع الإشارة إلى استعداد الأعضاء لاحترام مبدأ التناوب الإقليمي، والذي بموجبه يأتي الأمين العام القادم من أمريكا اللاتينية أو منطقة الكاريبي).
وقد برزت ريبيكا جرينسبان من كوستاريكا وكارولين رودريجز بيركيت من جويانا باعتبارهما من أوفر المرشحين حظا، لكن غياب مرشح واضح في الصدارة قد يشجع مرشحا آخر على دخول السباق متأخرا.
أيا كان المرشح الذي سَـيُختار في النهاية، فإنه يحتاج إلى خريطة طريق تحويلية لأول 100 يوم (وما بعدها) لرسم مسار الأمم المتحدة وضمان أن تصبح الحوكمة العالمية ملائمة للقرن الحادي والعشرين.
وقد تعاونت Cepei، مؤسسة الفكر والبحث التي أتولى رئاستها ومقرها بوجوتا، مع منظمات في مختلف أنحاء العالم، وعقدت مشاورات إقليمية مع كبار الباحثين، والدبلوماسيين السابقين، وصُنّاع السياسات، والممارسين، وغيرهم من أصحاب المصلحة للتفكير في جدول أعمال وأولويات أمين عام الأمم المتحدة القادم ومستقبل قيادة الأمم المتحدة في عموم الأمر.
تُظهر هذه الاجتماعات أن التوقعات عالية. وبرغم أن صلاحيات الأمين العام المستقلة محدودة، فإن شاغل هذا المنصب يتمتع برصيد سياسي، ويمثل الصوت العام للمنظمة، ويتولى تعيين كبار المسؤولين، ويشرف على الإدارة.
لذا، فإن السؤال الآن يُـصبِح: كيف يتسنى للأمين العام القادم أن يُظهر القيادة، والمصداقية، والتوجيه خلال أول مائة يوم، في حين يعمل ضمن هذه الحدود؟
بادئ ذي بدء، ينبغي للأمين العام القادم أن يركز على إصدار رسائل متسقة، والاستفادة من أجندة الأمم المتحدة التي يمكن التنبؤ بها إلى حد كبير لتحقيق بعض الإنجازات المبكرة.
ينبغي له أن يبدأ بالوضوح السياسي، لا بالتوسع في الموضوعات؛ وأن يكمل أجندات العمل الحالية، مثل أهداف التنمية المستدامة واتفاقيات المناخ؛ وأن يحوّل التركيز من الانتشار والتوسع إلى التنفيذ.
على نحو أكثر جوهرية، يتعين على القائد الجديد أيضا أن يلتزم بجعل السلطة أكثر شفافية؛ وترسيخ مبدأ الشمولية في مختلف أقسام منظومة الأمم المتحدة؛ وتعزيز التنسيق مع الدول الأعضاء؛ وضمان توافق التمويل مع الحوكمة.
هذا يعني إعادة بناء الثقة من الداخل؛ فعند تعيين فريق القيادة العليا، ينبغي للأمين العام القادم أن يختار أشخاصا يبدون الشجاعة السياسية، والقدرة المستقلة على الحكم على الأمور، والانضباط في تحديد الأولويات، والاستعداد لتحمل المخاطر وتحمل النقد، والالتزام المتجدد بالوساطة. سوف يكون هؤلاء القادة في وضع يسمح لهم في الأمد البعيد بتحفيز التنسيق، وبناء تحالفات تدوم إلى ما بعد فترة ولايتهم، والسعي إلى إحداث تغيير بنيوي وتنظيمي حقيقي مدعوم بآليات مُساءلة ملموسة.
الواقع أن غرس إحساس متجدد بالغاية بين أفراد قوة عمل تضم نحو 120 ألف شخص يتصارعون مع معنويات متدنية وميزانيات محدودة للغاية يستلزم تشخيصا مقنعا للتحديات التي تواجه الأمم المتحدة، ورؤية لمستقبلها، وأولويات لتحركاتها.
وينبغي لهذا التشخيص أن يركز على العوامل السياسية أولا وقبل كل شيء، حيث يمكن إرجاع عدد كبير من مشكلاتها إلى اختيارات اتخذتها الدول الأعضاء، وإضعاف مبدأ الإجماع، والتحول الطارئ على علاقات القوة.
من المؤكد أن هذا يحد من الإنجازات التي قد تتحقق بشكل واقعي من خلال الإصلاح المؤسسي ــ أو عن طريق الأمين العام وحده.
لكن الأمر الأكثر أهمية أنه يشير إلى أن أجندة الاختيار والتحول يجب ألا تقتصر على توقعات الأمين العام القادم، بل ينبغي لها أن تشمل أيضا ما قد تكون الدول الأعضاء على استعداد لتقديمه في المقابل.
سوف يرث الأمين العام مبادرة الأمم المتحدة 80، التي تهدف إلى تحسين الكفاءة، ومراجعة تنفيذ ولايات المنظمة، ودراسة التغييرات البنيوية المحتملة وإعادة تنظيم البرامج. خلال أول مائة يوم، يجب اتخاذ قرارات مهمة بشأن أجزاء أجندة الإصلاح التي يجب مواصلتها، وتلك التي يجب تعديلها، وتلك التي يجب التخلي عنها، مع مراعاة الحاجة إلى تجنب «إجهاد الإصلاح» وضمان تولي الدول الأعضاء صياغة المرحلة التالية وامتلاك ناصيتها.
على مستوى الدول، يتعين على الأمين العام أيضا اتخاذ اختيارات صعبة بشأن الأنشطة التي ينبغي للأمم المتحدة أن تتوقف عن متابعتها، مع العمل في الوقت ذاته على تحسين الأداء، والتوطين، والتنسيق.
وهذا يتطلب قدرا أعظم من الوضوح بشأن المجالات التي تضيف إليها الأمم المتحدة قيمة، مع التركيز على شرعيتها العالمية، وقدرتها على الجمع بين الأطراف ووضع المعايير، وربما الأمر الأكثر أهمية، الوساطة و«المساعي الحميدة».
يجب أن يكون المبدأ التوجيهي هو التمييز، وليس الانسحاب: الاستمرار في تنفيذ الأنشطة بشكل مباشر حيثما دعت الحاجة، مع الاعتماد بشكل أكثر وعيا على القوى الفاعلة الإقليمية والوطنية عندما تكون في وضع أفضل للقيام بالعمل اللازم.
أخيرا، للحد من اعتماد الأمم المتحدة على المساهمات الطوعية والموارد المخصصة، التي تأتي غالبا من قِـلة من المانحين الرئيسيين، ينبغي للأمين العام القادم أن يبدأ في التواصل مع الدول الأعضاء لتطوير نموذج تمويل أكثر استدامة.
وهذا يعني الاستعداد للاستفادة الاستراتيجية من أدوات السلطة الحالية التي تمتلكها المنظمة لمواءمة التمويل مع الحوكمة، وهذا من شأنه أن يعزز فعالية النظام والاستجابة للمُساءلة.
من الممكن أن يتحقق هذا من خلال تعظيم التمويل الطوعي غير المخصص وإنشاء نوافذ تمويل مخصصة لمشاريع بعينها (حيث لا تؤدي تكاليف المعاملات إلى تشويه الحوكمة)، مع الحرص في الوقت ذاته على تزويد المساهمين بالتقدير السياسي المناسب وزيادة الشفافية.
تمثل أجندة قائد الأمم المتحدة الجديد في عموم الأمر ــ استعادة السلام، وحماية الفئات الأكثر ضعفا، وإقناع العالم بالتحرك بشأن تغير المناخ وتنظيم الذكاء الاصطناعي ــ تحديا هائلا، خاصة وأن الاضطرابات الجيوسياسية تعرقل الجهود الرامية إلى صياغة الإجماع أو تقديم حلول طويلة الأجل.
لم تتكيف الأمم المتحدة بالسرعة الكافية مع واقع اليوم المتعدد الأقطاب حيث يتوزع النفوذ على مواقع عديدة. وتعزز المشاركات الرمزية والروايات السلبية الشعور بالإقصاء، على نحو يعمق أزمة الشرعية.
لكن الأمين العام القادم قادر على تغيير هذا المسار.
وبرغم أن إعادة بناء الشرعية لن تكون بالمهمة السهلة أو الفورية، فإن القائد الذي يُظهر مهارات إدارية قوية والتزاما بالإصلاح خلال أول مائة يوم في المنصب سَـيُوفِّر أساسا مهما لبناء أمم متحدة متجددة النشاط.
فيليب شونروك يشغل منصب مدير «سيباي» (Cepei)، وهو مركز أبحاث مستقل يتخذ من بوغوتا مقرًا له، ويتخصص في مجالات الحوكمة العالمية، والبيانات، والتحول الرقمي
خدمة بروجيكت سنديكيت
