أمريكا لن تتجاوز مصاعبها المالية بالنمو الاقتصادي!
22 سبتمبر 2026
22 سبتمبر 2026
ترجمة: قاسم مكي
تخطَّى الدَّين القومي للولايات المتحدة 40 تريليون دولار ومن المتوقع أن يتجاوز العجز السنوي في موازنتها تريليوني دولار.
يجادل وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن الولايات المتحدة تستطيع التخلص من هذه المشكلة إذا حققت نموا سنويا بنسبة 3%. وهو يصرّ بأن الولايات المتحدة لديها مشكلة إنفاق وليس مشكلة إيرادات.
لكن النمو الأسرع لا يمكن أن يكون بديلا عن انضباط الموازنة في ظل استمرار الحكومة في الاقتراض بمثل هذا الحجم الكبير. فالدين يتزايد بوتيرة أسرع كثيرا من الإنتاج الاقتصادي. وهذا يُوجِد مشكلة حسابية قبل أن تكون مالية.
تشتري وزارة الخزانة السندات طويلة الأجل فيما تُصدِر سندات دين جديدة بأمل التأثير على العائدات وسيولة السوق. لكن هذا الإجراء يغيِّر هيكل الالتزامات المالية للولايات المتحدة ولا يقلِّلها.
كان الافتقار إلى الحكمة واضحا عندما أعلنت وزارة الخزانة عن قرار إعادة شراء سنداتها في نفس اليوم الذي أصدرت فيه سندات لمدة 10 سنوات بقيمة 39 بليون دولار؛ فقد ارتفع العائد على السندات لمدة 10 سنوات إلى 4.84% وهو أعلى معدل لها منذ عام 2023 حتى بعد إعلان الوزارة إعادة شراء ما تصل قيمته إلى 6 بلايين دولار من السندات طويلة الأجل.
فعندما يبدأ المستثمرون في المطالبة بعوائد أعلى للاحتفاظ بسندات الدين الحكومي الأمريكي تنتقل العواقب التي تترتب عن ذلك إلى قروض الرهونات العقارية وإقراض الشركات وأسعار الصرف والتمويل السيادي حول العالم. لذلك الرغبة المتزايدة لدى مختلف البلدان في خفض حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية تحذير بأن الثقة في النموذج المالي للحكومة الأمريكية لا يمكن اعتبارها تحصيل حاصل.
كما ليس من المعقول أن تنسب الحكومة الأمريكية إلى إدارة جو بايدن المسؤولية عن محنة الديون.
مشكلة الدين الأمريكي هيكلية. لكن تسارعها الحالي يحمل بصمة مميزة لسياسات الإدارة الحالية. فقد جمعت بين التخفيضات الضريبية والإنفاق المستمر.
كما اتبعت سياسة فرض الرسوم الجمركية كمصدر للإيرادات الحكومية وتبنت التوسع المالي العريض. فالتخفيضات الضريبية بدون تخفيضات مقابلة لها في الإنفاق تزيد العجز.
الرسوم الجمركية مصدر غير مضمون للإيرادات ويمكن أن ترفع الأسعار وتزيد تكاليف الإنتاج. في الأثناء يظل من الصعب الحد من التزامات الإنفاق الحتمية. والنتيجة هي مزيجُ سياساتٍ يضيف المزيد من الوقود إلى حريق تزعم الإدارة الأمريكية أنها تحاول إطفاءه.
تعاملت واشنطن مع الرسوم الجمركية وكأن المصدِّرين الأجانب سيموّلون في نهاية المطاف احتياجات الموازنة الأمريكية. لكن الرسوم التي يتم تحويلها إلى سلاح ليست مالا مجانيا. إنها تشوه التجارة وتزيد التكاليف وتحرض على الرد الانتقامي.
وما هو أسوأ أن الإدارة الأمريكية بنَت جزءًا من حساباتها المالية على إيرادات الرسوم الجمركية التي تواجه تحديات قضائية.
فرفضُ المحكمة الدستورية الإقرار بسلطة الرئيس الواسعة في فرض الرسوم الجمركية أجبر الحكومةَ على إيجاد الأموال اللازمة لإعادة مدفوعات بقيمة حوالي 100 بليون دولار. وهكذا أوجدت السياسة التي أُعدِّت لتقليل العجز صداعا ماليا آخر.
في الأثناء تنشط فقاعة تمويل الذكاء الاصطناعي في منافسة سندات الخزانة على سيولة السوق المحدودة.
استكشفت الإدارة الأمريكية أيضا سبلَ إقناع بلدان أخرى بالاستمرار في امتصاص الدين الأمريكي فيما هي تأمل في أن توجد صناعة العملات المستقرة، والتي تتوسع بسرعة، طلبا إضافيا على سندات الخزانة قصيرة الأجل. مثل هذه الخطط تعيد ترتيب الأثاث فقط ولا تقوم بإصلاح المنزل. وإذا توصل كبار الحائزين على سندات ديون الولايات المتحدة إلى أنها تتوقع منهم باطراد تحمّل عواقب خيارات السياسة المالية لواشنطن سيكون الرد المنطقي تنويعا أكبر لاستثماراتهم بعيدا عن سندات الخزانة الأمريكية.
وهنا تصبح مشكلة دين الولايات المتحدة مشكلة العالم. فارتفاع عوائد السندات يعيد تسعير الأصول في كل مكان ويزيد تكاليف التمويل ويمكن أن يسحب رأس المال بعيدا عن اقتصادات البلدان الصاعدة.
وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن هشاشة سوق سندات الخزانة الأمريكية يمكنها تعزيز انتشار العدوى عبر أسواق الدين. وفقدان الثقة في الدين الأمريكي لن يظل في الولايات المتحدة.
تردُّ الإدارة الأمريكية على ارتفاع العوائد بإعادة شراء السندات وعلى عجوزات الموازنة بالرسوم الجمركية. كما تردّ على المخاوف بشأن الطلب الأجنبي على سنداتها بالضغوط على الحلفاء وإيجاد مشترين جدد.
لكن كل خطوة من هذه الخطوات تعالج أحد الأعراض وتترك الخلل المالي الأساسي على حاله.
خطاب وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في مؤتمر الجمهوريين للانتخابات النصفية في دالاس يوم الأربعاء 9 سبتمبر والذي لامَ فيه إدارة بايدن على دفع الولايات المتحدة إلى «حافة الانهيار» يصوِّر المعضلة السياسية.
وإذا شكَّت الأسواق في أن الدفاع عن الإدارة الأمريكية الحالية أصبح أكثر أهمية من حل المشكلة التي صنعتها هي بنفسها سيصبح الحفاظ على صِدْقيَّتها أكثر صعوبة.
لا تحتاج الولايات المتحدة إلى طريقة «ذكية» أخرى لتدوير ديونها. إنها بحاجة إلى الكف عن إضافة المزيد إلى ركامها بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد على الوفاء بها.
ذلك يعني مواجهة عجز الموازنة والإنفاق الإلزامي والتكلفة المالية للتخفيضات الضريبية.
لكن أيّا من هذه المواجهات لن يكون يسيرا؛ فهي ليس من شأنها سوى الإضافة إلى الأعباء المالية للعائلات الأمريكية التي ضاقت ذرعا من التضخم. هذه المعضلة لن تُفسِح لسكوت بيسنت مجالا يُذكر للتحرك.
إقناع الإدارة الأمريكية بأن السياسات التي تستخدمها حاليا لإدارة مشكلة الدين جزء من المشكلة قد يكون أمرا بالغ الصعوبة. بل ربما يتضح أنه أشد صعوبة من بيع سندات خزانة أخرى بما يعادل تريليون دولار.
لي يانغ كاتب رأي ومحرر بصحيفة تشاينا ديلي الصينية
