ترامب وحق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات

22 سبتمبر 2026
22 سبتمبر 2026

على مدى سنوات طويلة من تدريس الصحافة، أقول لطلابي إن المنافسة بين المؤسسات الإعلامية قد تكون شرسة، وإن السعي إلى السبق الصحفي والانفراد بنشر بعض الأخبار جزء أصيل من هذه المنافسة المشروعة، بشرط الحفاظ على حرية العمل الصحفي وحق جميع الصحفيين في الوصول إلى مصادر المعلومات.

وتكوّن لدي اعتقاد راسخ بأن منع مؤسسة إعلامية من الوصول إلى مصدر عام بسبب ما تنشره لا يخص هذه المؤسسة وحدها؛ لأن الباب الذي يُغلق في وجه صحفي اليوم يمكن أن يُغلق غدًا في وجه صحفيين من مؤسسات أخرى.

ولعل المثل الشائع «أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض» يختصر هذه الحقيقة أكثر من أي شرح طويل؛ فالصمت على إقصاء المنافس قد يكون الخطوة الأولى نحو إقصاء الجميع.

تذكرت هذه القاعدة المهنية هذا الأسبوع وأنا أتابع ما جرى في واشنطن، عندما قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الجمعة الماضي، منع صحفيي ثلاث مؤسسات إعلامية من دخول البيت الأبيض.

ما استوقفني أكثر من قرار المنع نفسه كان رد فعل المؤسسات المنافسة، التي وجدت نفسها أمام اختبار مهني يتعلق بموقفها من حق منافسيها في ممارسة عملهم بعد منعهم من دخول البيت الأبيض.

وسرعان ما ردت الشبكات الأربع على قرار المنع. فعندما جاء دور «سي إن إن» يوم الاثنين الماضي في نظام التغطية التلفزيونية المشتركة للبيت الأبيض، الذي تتناوب فيه خمس شبكات كبرى على تصوير أنشطة الرئيس وتقاسم المادة المصورة فيما بينها ومع المؤسسات الإعلامية الأخرى، رفضت الشبكات الأربع الأخرى، «إيه بي سي» و«سي بي إس» و«إن بي سي» و«فوكس نيوز»، أن تحل محلها.

وبدلًا من الاستفادة من غياب منافستها، اتفقت الشبكات على تعليق مشاركتها في التغطية المشتركة، مؤكدة حق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة ومستقلة عن حكومته، ورفضها تقييد عمل أي مؤسسة إخبارية بسبب الاعتراض على تغطيتها.

وتعود فكرة التغطية المشتركة إلى استحالة وجود جميع الصحفيين مع الرئيس في كل مكان، خاصة في المكتب البيضاوي والطائرة الرئاسية والموكب الرئاسي وبعض الفعاليات محدودة المساحة.

لذلك تتولى كل يوم شبكة واحدة مهمة التغطية، ثم يشارك صحفيوها ومصوروها ما يجمعونه من معلومات وصور وتسجيلات مع الشبكات الأخرى.

من جانبها، لم تكتف المؤسسات الثلاث المستبعدة بالاعتراض على قرار المنع، فقد رفعت أمس الأول دعوى أمام محكمة اتحادية في واشنطن ضد إدارة ترامب، وطالبت بإعادة تصاريح دخول صحفييها إلى البيت الأبيض. واستندت في دعواها إلى أن سحب هذه التصاريح يمثل انتهاكًا لحرية الصحافة التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأمريكي. كما طلبت من المحكمة إصدار أمر عاجل بوقف المنع إلى حين الفصل في القضية.

ويبدو أن الجبهات المفتوحة أمام الرئيس ترامب لم تكن كافية؛ فإلى جانب أزمتي إيران وأوكرانيا، والخلافات مع كندا وأوروبا، يواجه ضغوطًا داخلية مع تراجع نسبة تأييده إلى 32% في أحدث استطلاع للرأي أجرته «رويترز-إبسوس»، وهي أدنى نسبة في مسيرته السياسية، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل. ورغم ذلك، وجد الرئيس، الباحث عن الأزمات، متسعًا من الوقت والجهد لفتح جبهة جديدة، هذه المرة مع الصحافة.

والواقع أن قرار ترامب الأخير لم يكن أول مواجهة له مع الصحافة الأمريكية؛ فمنذ ولايته الأولى، دخل في صدامات متكررة مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، ووصف وسائل الإعلام التي تنتقده بأنها «عدو الشعب»، وسحب البيت الأبيض عام 2018 تصريح الدخول الدائم من مراسل «سي إن إن» جيم أكوستا بعد مشادة معه في مؤتمر صحفي، قبل أن يتدخل القضاء ويأمر بإعادة التصريح. وتكرر الأمر في ولايته الثانية عندما قيد البيت الأبيض، في فبراير 2025، وصول صحفيي وكالة «أسوشيتد برس» إلى بعض الفعاليات الرئاسية، بعد تمسك الوكالة باستخدام اسم «خليج المكسيك» في تغطيتها بدلًا من الاسم الذي اعتمدته إدارته «خليج أمريكا»، لتنتقل المواجهة مرة أخرى إلى المحاكم.

المفارقة أن «فوكس نيوز»، التي وقفت هذه المرة إلى جانب «سي إن إن»، كانت قبل سبعة عشر عامًا في موقع المؤسسة التي احتاجت إلى تضامن منافسيها. ففي أكتوبر 2009، وفي ذروة التوتر بين إدارة الرئيس باراك أوباما والشبكة، نشب خلاف حول استبعاد «فوكس نيوز» من مقابلات تلفزيونية منفردة مع كينيث فاينبرغ، المسؤول في إدارة أوباما عن أجور كبار مسؤولي الشركات. وعندما علمت الشبكات الأربع الأخرى بالأمر، اتفق رؤساء مكاتبها في واشنطن على عدم إجراء المقابلات ما لم تشارك «فوكس نيوز» أيضًا، لتنتهي الأزمة بمشاركة الشبكة. الآن تبدلت المواقع؛ أصبحت «سي إن إن» المستبعدة، وأصبحت «فوكس نيوز» من بين المؤسسات التي رفضت أن تستفيد من استبعاد منافستها.

وتعود أهمية موقف الشبكات الأمريكية إلى أنها أدركت أن استبعاد مؤسسة إعلامية بسبب تغطيتها لا يتوقف أثره عند المؤسسة المستبعدة، وإذا تجاهلت المؤسسات المنافسة هذا الاستبعاد، فإنها تساعد، ربما دون قصد، على تكراره معها أيضًا.

ويمثل الوصول إلى مصادر المعلومات جزءًا أساسيًا من عمل الصحفي. فالصحفي الذي يُمنع من حضور مؤتمر صحفي أو لقاء رسمي يفقد فرصة طرح الأسئلة ومتابعة تصريحات المسؤولين والحصول على المعلومات من مصادرها.

وإذا أصبحت الحكومة قادرة على اختيار الصحفيين الذين تسمح لهم بالوصول إليها وفقًا لطبيعة تغطيتهم ومواقف مؤسساتهم، فإنها تستطيع مع الوقت، وبمنطق «العصا والجزرة»، أن تكافئ المؤسسات التي ترضى عنها وتعاقب تلك التي تنتقدها، وعندها يصبح الوصول إلى المعلومات وسيلة للضغط على الصحافة، وقد يدفع ذلك بعض المؤسسات إلى تخفيف نقدها لكبار المسؤولين أو تجنب موضوعات وأسئلة تعرف مسبقًا أنها قد تغضبهم.

ومن المؤكد أن منع الصحفي من أداء عمله يؤثر على الجمهور الذي يعتمد على الصحافة لمعرفة ما يجري داخل مؤسسات الحكم. فحضور المؤتمرات واللقاءات الرسمية يتيح له طرح القضايا التي تشغل الناس، وطلب توضيحات بشأن القرارات التي تمس حياتهم، ونقل ما تقوله الحكومة وما تفعله. وتضييق دائرة الحضور في هذه الفعاليات قد يقلل من تنوع الأسئلة والمعلومات المتاحة للناس. ومن هنا يرتبط تمكين الصحافة من العمل بحرية بحق المجتمع في المعرفة.

في تقديري أن المنافسة بين المؤسسات الإعلامية تبقى جزءًا جوهريًا من العمل الصحفي، فكل مؤسسة تسعى إلى السبق وجذب الجمهور وتقديم تغطية أفضل من منافسيها. ومع ذلك، تحتاج هذه المنافسة إلى قواعد مهنية مشتركة تحمي قدرة الجميع على العمل. ويأتي حق الوصول إلى المعلومات في مقدمة هذه القواعد. وقد قدمت الشبكات الأمريكية في هذه الأزمة مثالًا مهمًا عندما فضلت حماية هذا الحق المشترك على المكسب المهني المؤقت الذي كان يمكن أن تحققه من غياب منافسيها.

الدرس الأهم الذي يمكن أن نخرج به من أزمة منع مؤسسات صحفية تنتقد أداء إدارة ترامب، هو أن حرية الصحافة تحتاج إلى صحفيين ومؤسسات يدركون أن حماية حق المنافس في العمل تحمي حقهم أيضًا.

وفي مثل هذه المواقف، يتحول التضامن المهني من قيمة أخلاقية إلى وسيلة عملية لحماية حرية الصحافة.

أ. د. حسني محمد نصر أكاديمي فـي قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس