التهديد الحقيقي لحلف الناتو
07 يوليو 2026
07 يوليو 2026
بينما يعقد حلف شمال الأطلسي (الناتو) قمته في أنقرة، يواجه الحلف تحديًا يفوق في خطورته كلًا من روسيا والصين: فأعضاؤه لم يعودوا يتشاركون فهمًا متماسكًا للقيم، والنظام الاقتصادي، والرؤية الجيوسياسية، والمبادئ القانونية التي أُنشئ الحلف للدفاع عنها.
في نهاية المطاف، يقوم كل تحالف عسكري قادر على الاستمرار على سؤال يبدو بسيطًا، لكنه بالغ الأهمية: ما الذي يدافع عنه؟ ومن دون إجابة واضحة، يغدو التحالف كيانًا يكتفي بردود الفعل، ويعرّف نفسه من خلال خصومه بدلًا من أن يستند إلى غاية مشتركة.
عندما تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949، كانت تلك الغاية واضحة. فبعد الدمار الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية، أُنشئ الحلف للدفاع عما وصفه مؤسسوه بـ«العالم الحر» في مواجهة التوسع السوفييتي. وعلى نحو أعمق، كان هدفه صون نظام دولي ليبرالي يستند إلى أربعة مرتكزات يعزز كل منها الآخر: الحكم الديمقراطي، والانفتاح الاقتصادي، والريادة الجيوسياسية للغرب، وسيادة القانون الدولي القائمة على ميثاق الأمم المتحدة.
أما اليوم، فتواجه كل واحدة من هذه الركائز ضغوطًا متزايدة. ويتجلى ذلك بأوضح صوره في الهوية السياسية للحلف، التي أضعفها التراجع الديمقراطي وتصاعد النزعات السلطوية. فقد يظل الناتو أقوى تكتل عسكري في العالم، لكن شرعيته الأخلاقية تبقى مرهونة بمدى استمرار أعضائه في تجسيد القيم الديمقراطية التي يعلنون التزامهم بها.
لقد كشفت استجابة العديد من حكومات الناتو للحملة العسكرية الإسرائيلية في غزة عن اتساع الفجوة بين القيم التي يعلن الحلف التزامه بها والسياسات التي ينتهجها أعضاؤه. ففي الوقت الذي تواصل فيه محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية النظر في مزاعم الإبادة الجماعية وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، يواصل عدد من أبرز أعضاء الحلف، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، تقديم الدعم السياسي للحكومة الإسرائيلية وتوفير الغطاء السياسي لها.
غير أن تحالفًا تستند شرعيته التاريخية إلى رفض الفاشية والإبادة الجماعية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا يستطيع أن يبدو انتقائيًا في دفاعه عن المبادئ الإنسانية العالمية. فالانسجام الأخلاقي ليس ترفًا أخلاقيًا، هو رصيد استراتيجي، والتفريط فيه قد يكلّف الناتو كثيرًا.
وتتعرض كذلك أسس النظام الاقتصادي الليبرالي لضغوط متزايدة. ومن المفارقات أن التحدي الأكبر الذي يواجهه لم يأتِ من خصوم الناتو، وإنما من بعض أعضائه أنفسهم، إذ أسهمت النزعة الحمائية، وحروب الرسوم الجمركية، وتسييس التجارة الدولية، في تقويض النظام القائم على القواعد الذي أمضت الدول الغربية عقودًا في بنائه وترسيخه منذ عام 1945.
وفي الوقت نفسه، انتقل مركز الثقل في الاقتصاد العالمي بصورة حاسمة نحو آسيا. فعندما تأسس الناتو، كانت دوله الأعضاء تنتج نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لكن حصتها تراجعت منذ ذلك الحين إلى أقل من النصف، مع صعود آسيا بوصفها المحرك الرئيس لنمو الاقتصاد العالمي.
أما الركيزة الثالثة للنظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، وهي القيادة الجيوسياسية، فقد أصبحت بدورها أكثر هشاشة. فقد وفرت الحرب الباردة للناتو إطارًا استراتيجيًا واضحًا، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ترسخ الاعتقاد بأن الهيمنة الأمريكية ستستمر إلى أجل غير مسمى، وهو ما شكّل الأساس لموجات متعاقبة من توسع الحلف، وعزز القناعة بأن التفوق العسكري وحده قادر على رسم ملامح النظام الدولي.
غير أن الحرب في أفغانستان كشفت حدود هذا الافتراض. ففي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، خاض الناتو أكبر وأطول عملية عسكرية في تاريخه. ومع ذلك، ورغم عقدين من التفوق العسكري والتكنولوجي الكاسح، عادت حركة طالبان إلى السلطة. ولم يكن الدرس المستفاد أن القوة فقدت أهميتها، بل أن النجاح في ميدان المعركة لا يمكن أن يكون بديلًا عن الاستراتيجية السياسية. فالأمن المستدام يتطلب الدبلوماسية، وبناء المؤسسات، والانخراط الإقليمي، ورؤية سياسية بعيدة المدى.
ويكتسب هذا الدرس أهمية أكبر في المشهد الدولي الراهن متعدد الأقطاب؛ فمع أن الردع لا يزال عنصرًا لا غنى عنه، فإن أطر الحرب الباردة لم تعد ملائمة لعالم تشكله أدوات الإكراه الاقتصادي، والهجرة، وانعدام أمن الطاقة، والتنافس التكنولوجي، والحروب السيبرانية. لذلك، بات لزامًا على الناتو أن يقرن قوته العسكرية ببصيرة جيوسياسية وحنكة رفيعة في إدارة شؤون الدول.
كما أصبح التناقض الاستراتيجي الذي تعيشه أوروبا أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فأوكرانيا، والبحر الأسود، والشرق الأوسط تشكل اليوم فضاءً واحدًا مترابطًا من عدم الاستقرار، ومع ذلك يواصل الاتحاد الأوروبي استبعاد الدولة الوحيدة التي تقع عند تقاطع هذه الساحات الثلاث(تركيا).
وأوروبا التي تطمح إلى تحقيق استقلالية استراتيجية لا تستطيع أن تتحمل كلفة بقائها منقسمة استراتيجيًا. صحيح أن انضمام فنلندا والسويد عزز الجناح الشمالي للناتو، لكن البنية الأمنية لجنوب أوروبا باتت تعتمد أيضًا على دمج تركيا في المؤسسات السياسية للاتحاد الأوروبي، إلى جانب مؤسساته الأمنية.
وأخيرًا، يفسح النظام القانوني الدولي المجال على نحو متزايد لسياسات القوى الكبرى. فمصداقية أي تحالف تتوقف على استعداده للالتزام بالمعايير التي يعلن الدفاع عنها. غير أن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على جرينلاند، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع الدنمارك، شكّلت تحديًا لأحد المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة، وهو احترام السلامة الإقليمية للدول ذات السيادة. وعندما تهدد القوة الرئيسية في الناتو سيادة إحدى الدول الأعضاء فيه، فإن التزام الحلف بالقانون الدولي يفقد كثيرًا من مصداقيته.
وتتفاقم هذه التحديات البنيوية بسبب اتساع الخلاف حول الغاية الاستراتيجية لحلف الناتو. صحيح أن الخلافات بين الحلفاء ليست جديدة؛ فقد أحدثت حرب العراق، على سبيل المثال، انقسامًا عميقًا بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، إلا أن الطرفين واصلا النظر إلى الناتو كركيزة لا غنى عنها للأمن عبر الأطلسي. أما اليوم، فقد أصبحت الخلافات أكثر جوهرية. ففي ظل إدارة ترامب، أخذت الولايات المتحدة تتعامل مع الناتو على نحو متزايد باعتباره ترتيبًا قائمًا على تبادل المصالح، واتخذت قرارات كبرى في السياسة الخارجية من دون التشاور مع حلفائها الرئيسيين.
وتُعد الحرب مع إيران مثالًا واضحًا على ذلك. فهذا الصراع، الذي قد يعيد رسم المشهد الأمني في المنطقة وأحدث اضطرابًا عميقًا في الاقتصاد العالمي، يحمل تداعيات بالغة الأهمية لجميع أعضاء الناتو، ومع ذلك يبدو أن الحلف لم يؤدِّ أي دور في عملية صنع القرار. والتحالف الذي قد يجد أعضاؤه أنفسهم منخرطين في نزاع إقليمي لم يختاروه جماعيًا ولم يمنحوه تأييدًا سياسيًا، يعرّض الثقة المتبادلة، التي يقوم عليها أي تعاون أمني، لخطر التآكل.
ولأن أزمة الناتو تتعلق بالهوية أكثر مما تتعلق بالقدرات، فإن تجديده يتطلب ما هو أكثر من زيادة الإنفاق الدفاعي أو تعزيز قدرات الردع. فهو بحاجة إلى أساس معياري متجدد يقوم على الشرعية الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإلى التزام متجدد بالقانون الدولي، فضلًا عن رؤية اقتصادية تتلاءم مع عصر تتغير فيه موازين القوة العالمية.
ولا ينبغي النظر إلى هذه القضايا باعتبارها أجندات منفصلة. فمن دون فلسفة استراتيجية متماسكة تتمحور حول الشرعية الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، يخاطر الناتو بأن يتحول إلى مجرد أداة تعكس تقلبات المصالح الوطنية. وفي نهاية المطاف، يتوقف مستقبل الحلف بدرجة أقل على التهديدات الخارجية التي يواجهها، وبدرجة أكبر على قدرته على إعادة تعريف ما الذي تمثله الجماعة عبر الأطلسي، وما الذي تسعى، في نهاية المطاف، إلى الدفاع عنه.
أحمد داوود أوغلو رئيس الوزراء (2014-2016) ووزير الخارجية (2009-2014) في تركيا.
خدمة بروجيكت سنديكيت
