الإعلام العربي ونصف قرن من التطوير المؤجل
07 يوليو 2026
07 يوليو 2026
لا أذكر متى سمعت للمرة الأولى عبارة «تطوير الإعلام»، لكنني أذكر أنها لم تغب عن أي مرحلة من مراحل حياتي. رافقتني وأنا طالب في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، ثم صحفيًا، ثم باحثًا، ثم أستاذًا للإعلام. وكلما ظننت أن الزمن تجاوزها، عادت من جديد، وكأنها العبارة الوحيدة التي نجحت في الصمود أمام كل التحولات السياسية والإعلامية التي شهدها العالم العربي على مدى نصف قرن.
خلال أكثر من أربعة عقود تغير كل شيء تقريبًا. تبدلت أنظمة سياسية وإعلامية، وظهرت صحف واختفت أخرى، وصعدت القنوات الفضائية، ثم اجتاح الإنترنت حياتنا، وأعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل المجال العام، ووصل العالم إلى عصر الذكاء الاصطناعي. شيء واحد ظل ثابتًا، وهو الحديث المتكرر، وربما المعاد، عن ضرورة تطوير الإعلام.
لا يعني ذلك أنني أعترض على فكرة التطوير، فأنا أدرك جيدًا أن الإعلام الذي لا يتطور يفقد قدرته على الحياة والاستمرار. الغريب في الأمر أن دعوات تطوير الإعلام تتكرر منذ عشرات السنين، من دون أن يحدث هذا التطوير بالفعل، ومن دون أن يتحقق منه ما يوازي حجم الدعوات إليه.
ولعل هذا ما جعل الإعلام العربي يعيش حالة غريبة؛ فهو دائمًا في طريقه إلى التطوير، لكنه نادرًا ما يصل إليه، تمامًا مثل تعبير «الدول النامية» الذي ظل يصف دولًا تسير في طريق النمو من دون أن يحقق معظمها النمو المنشود.
الحقيقة أن ظاهرة الدعوة إلى تطوير الإعلام تكاد تكون سمة عربية عامة ولا تخص دولة بعينها. فليس هناك دولة عربية لم تُعلن، في مرحلة من المراحل، عن مشروع لتطوير الإعلام، أو إعادة هيكلة مؤسساته، أو تحديث تشريعاته، أو مواكبة التحول الرقمي، أو إطلاق استراتيجية للإعلام الرقمي. ومع كل مشروع جديد كانت الآمال تتجدد، ثم بعد سنوات قليلة يعود الحديث نفسه عن ضرورة «تطوير الإعلام».
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا أصبح تطوير الإعلام المشروع العربي الذي لا ينتهي؟ ولماذا تتغير الخطط، واللجان، والهياكل التنظيمية، بينما تبقى معظم التحديات الإعلامية الأساسية حاضرة، وإن اختلفت درجاتها من دولة إلى أخرى؟
ولعل الحالة المصرية تقدم أحدث الأمثلة على عودة سؤال تطوير الإعلام إلى الواجهة.
ففي العاشر من أغسطس العام الماضي، وبعد اجتماع رئيس الدولة مع رئيس الوزراء، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ورئيس الهيئة الوطنية للصحافة، ورئيس الهيئة الوطنية للإعلام، خرجت دعوة إلى وضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري، شددت على إتاحة البيانات والمعلومات للإعلام، خاصة في أوقات الأزمات، حتى يكون التناول بعيدًا عن «المغالاة في الطرح». ثم عادت الدعوة نفسها، بصيغة أخرى، في أواخر يونيو 2026، عندما وجّه الرئيس إلى تنظيم اجتماع أو مؤتمر سنوي للإعلام في الثالث من ديسمبر من كل عام، تحت رعايته، لمراجعة أوضاع الإعلام المصري، ومناقشة تحدياته وفرص تطويره، ووضع توصيات تدعم عملية التطوير المستمر. وتعاملت لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب مع هذه الدعوة باعتبارها تكليفًا وطنيًا يستدعي مسارًا تشريعيًا ورقابيًا وتنفيذيًا، ومراجعة لمنظومة الإعلام، وفتح حوار مؤسسي مع الجهات المعنية.
هذه المفارقة لا تخص الحالة المصرية وحدها، وتكاد تتكرر، بدرجات متفاوتة، في تجارب عربية كثيرة؛ حيث تتعدد المؤسسات واللجان والخطط، بينما يبقى السؤال نفسه مطروحًا: لماذا لا يتحول تطوير الإعلام من دعوات رسمية إلى تغير حقيقي يلمسه الجمهور في أداء الإعلام؟
في تقديري الشخصي، أن أحد أسباب ذلك أننا كثيرًا ما نخلط بين تحديث الوسائل وبين تطوير الإعلام نفسه. فالتطوير الحقيقي لا يتحقق بمجرد شراء كاميرات أحدث، أو إطلاق منصات رقمية جديدة، أو حتى التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، على أهمية كل ذلك. هذه كلها وسائل ضرورية للتحديث، لكنها لا تكفي لصناعة إعلام أكثر تأثيرًا، وأكثر مهنية، وأكثر قدرة على كسب ثقة الجمهور.
لقد تعاملنا، في كثير من الأحيان، مع التكنولوجيا باعتبارها مرادفًا للتطوير. حدث ذلك عندما حدثنا المطابع دون أن ينعكس ذلك على محتوى الصحف، وعندما توسعنا في إطلاق القنوات الفضائية، وأطلقنا المزيد من المواقع الإلكترونية، وتطبيقات الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وصولًا اليوم إلى الذكاء الاصطناعي. غير أن التكنولوجيا كانت تسبقنا دائمًا بخطوات، بينما بقيت الأسئلة الجوهرية مؤجلة.
في ظل البحث عن التطوير لم ندرك أن الإعلام هو محتوى في جوهره، وأنه يفقد جمهوره حين يضعف محتواه، ويغيب تميزه، ويتحول إلى نسخة مكررة من عشرات المنصات الأخرى. ولذلك أظن أننا انشغلنا طويلًا بالسؤال الخطأ، إذ ظل السؤال المطروح هو: كيف نطور الإعلام؟ بينما كان السؤال الأهم هو: أي إعلام نريد أن نطور؟ ما وظيفته في المجتمع؟ ولمن يعمل؟ وما الذي ينتظره الناس منه في زمن تصل فيه الأخبار إلى هواتفهم قبل أن تصل إلى غرف الأخبار؟
لقد تغير الجمهور أكثر مما تغير الإعلام. لم يعد ينتظر نشرة الأخبار، ولا الصفحة الأولى من الصحيفة، ولا موعد البرنامج المسائي. صار يصنع نشرته الإخبارية بنفسه، ويختار مصادره، ويقارن بين عشرات الروايات في لحظات. وكثير من الشباب لم تعد المؤسسات الإعلامية التقليدية بوابتهم الأولى إلى العالم. لذلك أصبحت المنافسة اليوم غير عادلة بين المؤسسات الإعلامية المحلية وبين المنصات الرقمية العالمية التي تمتلك إمكانات مالية وتقنية هائلة، وخوارزميات تعرف اهتمامات المستخدم أكثر مما يعرفها هو نفسه. في هذه البيئة الجديدة، تستمد المؤسسة الإعلامية حضورها من القيمة التي تضيفها، ومن قدرتها على أن تمنح الجمهور معرفة موثوقة، وتفسيرًا عميقًا، وسببًا واضحًا لاختيارها وسط زحام المنصات.
يتجاوز تطوير الإعلام البعد التقني والإداري والتشريعي، ليبدأ من إعادة بناء الثقة. فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية، وهي العنصر الوحيد الذي لا يمكن شراؤه أو استيراده أو فرضه بقرار. وتُبنى الثقة بمرور الوقت، من خلال الدقة، والشفافية، واحترام عقل المتلقي، والتمييز الواضح بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والدعاية.
علينا أن ندرك أن تطوير الإعلام يجب أن يبدأ من الإنسان قبل المؤسسة. فالصحفي الجيد يتشكل عبر تعليم رصين، وتدريب مستمر، وبيئة مهنية تحفزه على التفكير، والبحث، والتدقيق، والابتكار، وتجعله قادرًا على توظيف التكنولوجيا بوعي ومهنية. وما أكثر ما نتحدث عن تحديث المؤسسات الإعلامية، وأقل ما نتحدث عن الاستثمار في العنصر البشري الذي يبقى أساس كل نجاح.
أكاد أجزم أن الإعلام العربي لا يحتاج إلى مشروع تطوير جديد بقدر ما يحتاج إلى مراجعة هادئة وصريحة لما جرى طوال العقود الماضية. مراجعة تعترف بما تحقق، لكنها لا تتردد في السؤال عن الإخفاقات.
ربما يكون الوقت قد حان لأن نتوقف عن التعامل مع تطوير الإعلام باعتباره مناسبة تُعلن، أو لجنة تُشكل، أو خطة تُطلق، وأن ننظر إليه باعتباره عملية مستمرة تُقاس بقدرة الإعلام على استعادة مكانته الطبيعية في حياة الناس، وبما يضيفه إلى وعي الجمهور وثقته وقدرته على فهم ما يجري حوله.
بعد أكثر من أربعين عامًا من سماع العبارة نفسها، ما زلت على قناعة بأن الإعلام العربي قادر على أن يتطور. والبداية الحقيقية يجب أن تكون من الإجابة عن سؤال بسيط ظل مؤجلًا طويلًا، وهو ماذا نريد من إعلامنا؟ فعندما نتفق على الإجابة، يصبح الطريق إلى التطوير أكثر وضوحًا، وعندها فقط قد يتحول مشروع تطوير الإعلام العربي من وعد يتكرر باستمرار إلى عملية مستدامة تبدأ بداية صحيحة.
أ. د. حسني محمد نصر أكاديمي فـي قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس
