الأمن الإقليمي وبيان مسقط

07 يوليو 2026
07 يوليو 2026

تبذل جهود سياسية بين دول المنطقة وهي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران لإيجاد تعاون إقليمي يحفظ للمنطقة السلام والاستقرار بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي أدت إلى مشكلات خطيرة على الملاحة البحرية وعلى أمن المنطقة بشكل عام.

ومع فشل الحماية العسكرية والهجوم الإيراني على القواعد العسكرية الأمريكية هناك شعور خليجي متزايد بأن البحث عن صيغة توافقية للأمن الإقليمي تبدو منطقية وموضوعية من خلال الحوار الخليجي - الإيراني الذي تحدثنا عن أهميته الاستراتيجية في عدد من المقالات والحوارات الإذاعية والتلفزيونية من خلال وسائل الإعلام المحلية والخارجية. لقد كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن دروس كثيرة من أهمها أن أمن واستقرار المنطقة يأتي من أصحاب المصلحة، وهم دول المنطقة، وأن موضوع الحماية الخارجية قد سقط فعليا.

ومع الحديث عن الأمن الإقليمي تقفز إلى الذهن رؤية استراتيجية عمانية مبكرة عندما عقد اجتماع إقليمي في سلطنة عمان عام ١٩٧٦ وبدعوة من السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- حيث جمع ذلك الاجتماع ثماني دول هي دول مجلس التعاون الخليجي الست وإيران والعراق، وكان محور النقاش إيجاد منظومة أمنية بين دول المنطقة. وخرج بيان مسقط الشهير الذي حدد أطر التعاون الأمني والعسكري وفي المجالات المختلفة بهدف تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة خاصة الحفاظ على الملاحة البحرية والتعاون بين الدول الثماني في المجالات الاستراتيجية بحيث يتم إبعاد المنطقة عن الصراعات والحروب. ومن هنا فإن الرؤية العمانية الحكيمة تبقى مرجعا حقيقيا لأي تعاون إقليمي بين الدول الثماني وربما ضم الجمهورية اليمنية إلى أي اتفاق إقليمي؛ حيث ظهرت أهمية المضائق البحرية خلال المواجهات العسكرية في مضيق هرمز وباب المندب.

لقد شهدت العقود الأخيرة تقدم سلطنة عمان بعدد من المبادرات الاستراتيجية، كما هو الحال مع مؤتمر مسقط الإقليمي عام ١٩٧٦، علاوة على مشروع الجيش الخليجي الموحد الذي أنجزه السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه. وكانت تلك المبادرات العمانية فرصة لحماية أمن واستقرار المنطقة من خلال منظومة أمنية جماعية تحافظ على مصالح الدول الثماني وعلى الملاحة في المضائق البحرية.

إنَّ الحديث عن الأمن الإقليمي بين دول الخليج العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية هو خطوة مهمة وحيوية، وكما يقال فإن الجغرافيا لا تتغير وأن وجود البلد الجار هو قدر، وينبغي التعايش وفق المعايير القانونية والأخلاقية والاحترام المتبادل، وهذه سمات راسخة في الفكر الاستراتيجي العماني منذ قرون؛ حيث قامت الإمبراطورية العمانية في شرق إفريقيا وبعض مناطق شبه القارة الهندية والقرن الإفريقي على أسس التعاون والتجارة مما خلق التعايش المميز بين الشعوب وتبادل المصالح والمنافع بعيدا عن لغة القوة العسكرية والغطرسة.

دول المنطقة على ضفتي الخليج العربي شاء القدر أن يتقاسما نفس الجغرافيا والتاريخ المشترك لقرون، ومن هنا فإن التعاون الخليجي الإيراني هو الخطوة الإيجابية نحو إيجاد تعاون في المجالات المختلفة وأن تكون الدبلوماسية هي أساس الحوار والتعاون التجاري في ظل إمكانات ومقدرات تمتلكها دول المنطقة.

إن بيان مسقط رغم مرور عقود لا يزال هو المرجعية الصحيحة لدول المنطقة على ضفتي الخليج لإيجاد منظومة أمنية لحماية الأمن والاستقرار في المنطقة بعيدا عن المغامرات غير المحسوبة من قبل الكيان الصهيوني وأيضا الإدارة الأمريكية الحالية والتي أوجدت مناخا متوترا؛ حيث اندلاع الحروب منذ عام ١٩٨٠ وحتى الآن.

لقد شهدت المنطقة حروبا إقليمية كبيرة استنزفت عشرات المليارات من الدولارات، وخسرت دول المنطقة الكثير من طموحاتها ورؤيتها الاقتصادية. وعلى ضوء ذلك فإن التوافق على صيغة بين الدول الخليجية بما فيها العراق ولاحقا اليمن والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر سوف يعطي أملا إيجابيا لأجيال المنطقة الذين يتطلعون إلى مرحلة من السلام والحوار والتعايش. وقد مثلت الحرب العراقية الإيرانية وعلى مدى ثماني سنوات كارثة حقيقية، وجاء الاجتياح العراقي لدولة الكويت ليضيف كارثة كبرى للعالم العربي لتتواصل حروب الخليج على مدى أربعة عقود، حتى الاحتلال الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ وقبلها الاحتلال الأمريكي لأفغانستان ودخول مصطلحات الكراهية كالحرب على الإرهاب ومصطلح الإسلام فوبيا، ومن هنا فإن المرجعية العمانية فيما يخص الحوار الإيراني الخليجي هو الأساس المنطقي لإيجاد تلك المنظومة للأمن الجماعي.

لقد اتضحت الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكيف واجه العالم اختناقا اقتصاديا وتجاريا مع وقف سلاسل الإمداد وارتفاع تكلفة الشحن وتعرض دول المنطقة لمخاطر حقيقية وهجمات عسكرية في حرب ليس لها مصلحة فيها، بل فرضت بسبب التحريض الإسرائيلي من قبل حكومة نتنياهو المتطرفة والتي لا تزال تمارس التطرف والقتل ضد المدنيين في قطاع غزة بعد حرب استنزاف استمرت لأكثر من سنتين سطرت فيها المقاومة الفلسطينية سطورا من الكفاح والنضال المشروع ضد العدوان الإسرائيلي. واثبتت العقود الأربعة الأخيرة بأن الكيان الصهيوني هو المتسبب في أشعال الحروب والصراعات ومشاعر الكراهية وأدخل منطقة الشرق الأوسط في اتون فوضى عارمة؛ حيث اندلاع الحروب وتهديد الملاحة البحرية ومحاولة جر دول المنطقة إلى مواجهة عسكرية مع إيران، ولو حدث ذلك تكون دول المنطقة قد ارتكبت خطأ استراتيجيا كبيرا تعرض من خلاله امنها ومقدرات شعوبها للخطر.

إن منظومة الأمن الإقليمي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيران أصبحت ضرورة وهناك مؤشرات واتصالات متواصلة خاصة وأن الحرب قد أدت إلى سقوط ثوابت، كما تمت الإشارة، وأصبح الأمن الجماعي هو الضمان لخلق تنسيق سياسي وأمني وتجاري بين دول المنطقة.

إن الحوار القادم بين دول الإقليم ينطلق من قناعات راسخة بعد دروس الحرب وهذا يعطي مرونة كافية نحو اتخاذ ترتيبات محددة تجعل من مضيق هرمز واحة للسلام والعبور الآمن وعند تحقيق ذلك يكون الإطار النظري للأمن الخليجي قد بدأ في ظل وجود إرادة سياسية، وفي ظل وجود الجغرافيا المشتركة والاسلام الحنيف والمصالح التجارية التي تواصلت على مدى قرون بين ضفتي الخليج. وهذا التطور الاستراتيجي الإيجابي سوف يفتح صفحة جديدة من التعاون الخليجي الإيراني حتى تنعم المنطقة وشعوبها بالسلام والاستقرار والاحترام المتبادل في ظل رؤية مشتركة بعيدا عن الحروب والصراعات.

عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة