هل لنا أن نعيد تقييم الحضارات؟

20 يناير 2026
20 يناير 2026

تعرضتُ لهذا السؤال قبل أيام، واكتشفتُ أنني لم أكن جاهزة تماما للإجابة حينها، ولكن بعد تفكير عميق، أعيد نسج إجابتي هنا. فترتيب الحضارات في قائمة رقمية، أي من الأفضل إلى الأسوأ، لا تخضع للانحياز العاطفي في المسار التاريخي للبشرية، هو أمر عصيّ على الدقة والموضوعية. أولا، لأن الحضارات تبنى على التراكم المعرفي كمّا ونوعا. وثانيا، لأنها تخضع لاختلاف وتنوّع المعايير من حيث التطور التقني والفني، والعدالة الاجتماعية، والعامل الزمني. فمثلا حضارة الإنكا كانت عبقرية معماريا وزراعيا وإداريا، لكنها لم تطور الكتابة بنفس مفهوم العالم القديم، فهل هذا يجعلها أقل أهمية؟ ومن ثم، فإن كل حضارة تحمل وجهين؛ أحدهما مضيء والآخر منطفئ. فالحضارة الرومانية نشرت القانون لكنها قامت على العبودية. والإمبراطورية البريطانية نشرت الثورة الصناعية واللغة الإنجليزية لكنها مارست الاستعمار. ومن هنا، بدا لي أن تصنيف الحضارات يجب أن يقوم على ميزان النقلة النوعية في الوعي الجمعي الذي أحدثته الحضارة في حينها وتناسلت على أثره منجزات الحضارات التي أعقبتها. فالحضارة الحديثة لم تكن لتقوم لولا اختراع فكرة الكتابة التي بدأت بالمسمارية وانطلقت من مهد الحضارة وهي حضارة بلاد وادي الرافدين (السومرية والبابلية). وصدّرت لنا أيضا اختراع العجلة، وهي أحد أهم الاختراعات الميكانيكية في تاريخ البشرية وتعد قفزة كبرى في المجال الفيزيائي. كما ورثنا عن هذه الحضارة شريعة حمورابي وآلية سن القوانين وتشريعها. أما الحضارة المصرية القديمة فقد فتحت لنا أبواب الهندسة المعمارية التي تتمثل في بناء الأهرامات، وأفكارا كيميائية تتمثل في آلية التحنيط وخلط الأصباغ، واستخدام ورق البردي لأغراض الكتابة والتوثيق، كما ندين لهذه الحضارة في وضع التقويم الشمسي الذي استقامت به حياتنا الزمنية اليوم. وقد أشرنا إلى هذا في مقال سابق مفصل بعنوان: هل يمضي الزمن في خط مستقيم أم دائرة مغلقة؟ أما الفكر الفلسفي والرياضيات، فقد قامت أسسها في الحضارة اليونانية، وكانت سببا في تأسيس المنطق العلمي اليوم. 

وقد أسهمت الحضارة الإسلامية بشكل فاعل في تشكيل الثقافة العالمية التي انتقل بها المشهد العالمي من العصور المظلمة إلى مرحلة التنوير والتي تعد مرحلة مهمة وسببا مباشرا في نهضة أوروبا، مثل: الجبر (الخوارزمي)، البصريات (ابن الهيثم)، الطب (ابن سينا والرازي)، الكيمياء (جابر بن حيان)، وعلم الاجتماع (ابن خلدون). وهنا، وجب أن نشير إلى إنجازات الحضارة الهندية القديمة التي تتمثل في اختراع الصفر والنظام العشري والروحانيات التي كانت سببا في تصدير فلسفات كبرى مثل: البوذية والهندوسية والتي لا يزال أثرها يمتد ليشمل نصف سكان الأرض. أما الحضارة الصينية القديمة فقد أحدثت تغييرا مهما في حقل الاختراعات العملية في العالم والتي يشار إليها بالاختراعات الأربعة الكبرى. وهي: الورق، الطباعة، البارود، والبوصلة. ولن ننسى الحضارة الرومانية التي عرّفتنا على إدارة النظم العسكرية. والحضارة الأوروبية الحديثة، المهيمنة حتى اليوم والتي شكلت نمط الحياة المعاصر. من هنا أرى أنه من غير الإنصاف أن نقول بأن حضارة ما، لم تكن ذات تأثير! فالتاريخ الثقافي هو سلسلة مترابطة لا يمكن فصل حلقة منها، وإلا لتغيّر مسار واقع العالم اليوم. 

آية السيابية كاتبة وروائية عمانية