هدى أبلان.. كتاب أحمد ورثاء الأبناء
07 يناير 2026
07 يناير 2026
تُعدّ مراثي الأبناء من أوجع المراثي، وفي الأدب العربي الكثير منها، ومن أشهرها عينية أبي ذؤيب الهذلي التي رثى بها أبناءه الخمسة، ومطلعها:
أمِنَ المنونِ وريبِها تتوجّعُ
والدهرُ ليس بمعتبٍ من يجزعُ؟
ومرثية ابن الرومي (836م - 896م) لولده:
بُنَيَّ الذي أهدتْهُ كفّايَ للثَّرى
فيا عزّةَ المُهدى ويا حسرةَ المُهدي
ألا قاتلَ اللهُ المنايا ورميَها
من القومِ حبّاتِ القلوبِ على عمدِ
فإذا كان هذا رثاء الآباء لأبنائهم، فكيف يكون الحال مع رثاء الأمّهات؟
لا شكّ أن العاطفة تكون أقوى، والفقد أشدّ وطأة على قلب الشاعرة الأم، وهذا ما وجدته في الديوان الجديد للشاعرة اليمنية هدى أبلان الصادر عن مؤسسة غايا للإبداع، (كَبُرْجِ مُرَاقَبَةٍ نَشِط)، وبه رثتْ نجلها البكر (أحمد) الذي توفّي العام الماضي في القاهرة ودُفن فيها بعد إصابته بمرض عضال لم يمهله طويلا، ومنذ يوم رحيله إلى اليوم، والحزن لا يغادر الشاعرة، فاختارت القاهرة مكان إقامة لتكون بقرب قبر ولدها، وحين سألتها عن العودة إلى (صنعاء) والأهل، والأصدقاء، والعمل، وهي عضو مجلس الشورى اليمني، والقيادية في الاتحاد العام للأدباء والكتّاب اليمنيين، أجابت: «لا أريد أن أترك أحمد وحيدا»!
لذا، حين ترثي ولدها، فبالتأكيد سيكون خطابها ينزف لوعة وألما، فهي لا تجد تفسيرا مقنعا لهذا الموت الذي باغت قلبها وخطف نجلها، وترى «هناك دهشة في موت ابن الشاعرة»، وتلخّص ردّة الفعل بقولها:
ما معنى أن يموت ابن الشاعر؟
سيتكوّر الخيال
حزنا على ركبتيه
ويغطّي وجهه
من التقاط صور مجازية مع الألم
لقد وضعنا كتابها أمام حزنها الدفين، فهي تستنجد بصديقتها الفنانة الدكتورة آمنة النصيري، وتقول لها: «أما من يأتي ليلتقط صورة مع حزني؟»، وتتّضح الصورة أكثر في العنوان الثانوي (كتاب أحمد)، وتتعزّز بلوحة تشكيلية في أعلاها صورة الفقيد، ولم تكتفِ بكلّ تلك الإشارات، بل زادت على ذلك وأهدت كتابها إلى «كلِّ أُمٍّ فقدتْ فلذة كبدها وإلى القاهرة التي ضمّت أوجاعه ورفاته»، ووضعت تنبيها من سطرين هو: «مات أحمد عن 21 عاما، لكن ما لديَّ من تفاصيل، وما تركه من إلهام، كأنَّ عمره مائة عام، ربما في السرديات القادمة تكتمل الصورة»، وهذا يعني أنها ستواصل كتابة مراثيها له، وقد أردفت هذا (التنبيه) بعتبتين لابن الفارض وميسون صقر، وبعد أن رسمت جوّا سوداويا شديد العتمة، بدأت نشيدها الدامي عبر نصّ واحد يمتدّ على (233) صفحة من القطع المتوسط، ويتألّف من (54) مقطعا متّصلا، دون فواصل سوى الأرقام، وقد استلّت العنوان من مقطع ترى به أن رفاته سيبقى يلوح لها من الأعلى حين تحلّق الطائرة في سماء مصر «كبرج مراقبة نشط»، لتجعل من موته علامة، وتصنع من هذه العلامة أسطورتها الشخصية، وقد جاءت النصوص على شكل خطاب موجّه للفقيد مستحضرة إيّاه في القصيدة، فتتحدّث معه، وتبكيه في مطارات صنعاء وعمّان والقاهرة، وتتذكّر طفولته:
تنتظر الزبيب الأسود
من يد جارتنا
كي ترتفع لديك نسبة الدم
ويزداد احمرار وجهك
كلما لمحت الأنامل الصغيرة
فمكرُ الحب
في تبادل الخجل
وتستحضر أحلامها التي كانت تكبر معه، وتتخيّله عريسا ببدلته الأنيقة يتجوّل على شاطئ نهر النيل، وفي ميدان (طلعت حرب):
أنت عريس
اخترتَ بدلتك الأثيرة
وجرّبتها لمرة واحدة
ولم يعد ينقصها إلا جسدك
أمامي في الممشى
تترنّح من رائحة النيل الذي تحب
فأنسى هاتفي
ألحق صوتك الذي يهمّ بالاختفاء
ولا تفيق من خيالاتها إلّا وهي ترى الحمّى تعصف بجسد ولدها، فتستدعي حمّى المتنبي، لكنّ حمّى ولدها تخجل من أمومتها فترتعش:
الحمّى تلوذ بالارتعاش
والتعرّق خجلا من أمومتي
... بدأها المتنبي
أنت لست شاعرا
كي تنام معك
وتخرج الصباح عمياء بلا نص
وفي مشهد الموت تراه قد عاد طفلا إلى أحضانها، وتضع دفء دموعها أمام برودة جسده، ليتعمّق الحزن، وتنفي أن جسده كان باردا بسبب الموت، بل لأن أحدا لم يغطّه جيّدا:
أحمد وهو في رفقة الموت
كان طفلي الذي أشرق في الأحضان
دموعي تنهمر عليه دافئة
لم يكن باردا
فقط لم تغطّوه جيّدا
لأنكم لستم أمهات
كي تجيدوا شدّ اللحاف
وتقلب المعادلة، عندما تعيد قراءة حكاية سيدنا نوح (ع) مع ولده، فطوفان الموت الجارف يكتسح كلّ شيء، ويبقيها مع أمواج عذاباتها، فتقول:
انقلبت المعادلة
أنت نوح تمضي إلى النجاة
وأنا عمله غير الصالح
تتلاطم بي السنون
لا جبل يعصمني من ضجيج فراقك
وفي يوم رحيل زياد الرحباني تستذكر (فيروز)، وتشعر بشقائها، وتراها رفيقتها في المأساة، فكلتاهما فقدتا ولديهما، فتدوّن في يومياتها الشعرية:
اليوم بدأت صباحي بصوت (فيروز)
هي أيضا دفنت ابنها
أسفل السلّم الموسيقي
في برزخ شجي
فكلتانا تطمر مضغتها في جوقة الهباء
وتعود تصدح في الآفاق خفيفة الحسرات
ويزحف الخيال ليغطي الواقع، فهي تتوهّم عودته، وتذهب بعيدا في أحلامها وتقول:
قد أسمع طرقات على الباب
عائدا حبيبي من ترابه
فأختار عناقي
مع ظلّه الواقف
وأغلق خلفنا مسافة الفراق
وبذلك فهي تسعى من خلال الكتابة الشعريّة إلى تقليص «مسافة الفراق»، وبعد كلّ هذا الحزن، ماذا أبقت هدى أبلان للأجزاء القادمة من كتاب مراثي أحمد؟
