سورة الفيل.. ويوم ذي قار
11 مارس 2026
11 مارس 2026
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) [سورة الفيل].
لقد جُعِلتْ «قصة أصحاب الفيل» التي تحدثت عنها السورة مِن إرهاصات البعثة المحمدية، فربطت بمولد النبي الكريم، ورووا فيها محاولة إبرهة الأشرم الحبشي(ت:570م) هدم الكعبة، وأنَّه سار إليها بجيش جعل على مقدمته فيلاً؛ لهدمها وتحويل العرب إلى كنيسة القليس في صنعاء باليمن، والقصة مشهورة، في غنى عن إعادة سردها.
السورة.. على أسلوب البيان القرآني؛ جاءت مجردة مِن الزمان والمكان والأشخاص، فلا يمكن الجزم بأنَّها حدثت زمن النبي أو قبله، أو أنَّها مِن قصص المتقدمين، أو حصلت بمكة أو غيرها، ولم يُذكر فيها أبرهة ولا غيره. فالسورة.. جاءت للعظة النفسية والاعتبار الاجتماعي. والأغلب أنَّ مَن نزلت بينهم كانوا يعرفون القصة؛ فلرُبَّما وقعت في زمانهم، إلا أنَّ التدوين الروائي جاء متأخراً؛ بعد نزول الوحي بحوالي قرنين، فأثرت على نقله ظروف الزمان.. بل أثرت على السردية التأريخية ذاتها. حيث جرى الجمع الروائي في ظل الصراعات بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين الأمم مِن حولهم.
إنَّ مِن الظواهر السياسية والفكرية التي ظهرت لدى المسلمين نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي ما عرف بـ«الشعوبية»، وهي ظاهرة انتصرت للفرس معرفيًا، بعد هزيمتهم عسكريًا وسياسيًا أمام العرب، بظهور الإسلام، الذي أزال إمبراطوريتهم العظمى. إنَّ للفرس دوراً فاعلاً -لا يُنكَر- في التأسيس المعرفي للفكر الإسلامي؛ بمختلف مذاهبه وفنونه، إلا أنَّ الصراع بين الطرفين بادٍ في الأدب والتاريخ والتفسير وسائر المعارف، مِن ذلك تفسير «سورة الروم»، [انظر: الروم والمسلمون.. قراءة في السياق القرآني، العدوي، عمان، 25/ 3/ 2025م].
ونلمس هذه الشعوبية في تفسير «سورة الفيل»، حيث دُفِع بتفسيرها باتجاه نصارى الحبشة، والحبشة رغم أنَّهم نصارى -وليسوا مسيحيين- إلا أنَّهم كانوا موالين للروم، فكان مِن الهجوم عليهم والرد عن الفرس؛ توجيه تفسير السورة بأنَّها تقص ما قام به الأحباش، في حين أنَّها أقرب إلى ما حصل بين الفرس والعرب.
من الناحية التأويلية.. مر تفسير السورة بمراحل:
الأولى.. حُمِلت السورة على أنَّها نزلت في مسير إبرهة الحبشي إلى هدم الكعبة، وسيق في قصته عجائب لا تنطبق على الواقع، بيد أنَّها كانت مقبولة، إذ إنَّ العقل المسلم لم يكن مهيأً لنقدها، واستمر على قبولها أكثر مِن ألف سنة رغم إشكالاتها التاريخية والمنطقية، ولا يزال كثير مِن المسلمين يأخذون بها.
الثانية.. نقد تفسير السورة، وقد ابتدأ بأطروحات محمد عبده(ت:1906م)، لكنه انحصر في تأويل «الطير الأبابيل» بأنَّها ميكروبات أصابت حملة إبرهة، فيقول: (فيجوز لك أنْ تعتقد أنَّ هذا الطير مِن جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأنْ تكون هذه الحجارة مِن الطين المسموم اليابس، الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهى بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإنَّ كثيراً مِن هذه الطيور الضعيفة يُعَد مِن أعظم جنود الله في إهلاك مِن يريد إهلاكه مِن البشر، وإنَّ هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها). [تفسير جزء عمَّ، ط1341هـ، ص158].
الثالثة.. رفض «حادثة الفيل» كما تروى، لافتقارها إلى الأدلة الآثارية، ولمنافاتها الطبيعة الجغرافية لجزيرة العرب، فصَعبٌ أنْ يشق فيل -مِن طبيعته أنَّه يعيش في الغابات الرطبة- بيداءَ قاحلة، استأثر الجمل بمخر عبابها. وقد ذهبوا في ذلك مذاهب؛ مثل: رفض الحادثة برمتها، وإحالة تفسير السورة إلى قصص الأولين، أو قصص أهل الكتاب، أو إلى معركة وقعت بين الفرس والبيزنطيين. وعموماً.. هذه الحركة التأويلية غير مذمومة، فهي تدل على فاعلية الفكر الإسلامي وتجدد أطروحاته.
وأمَّا رأيي في تفسير السورة.. فأتطرق أولاً إلى لغتها؛ بما قد يسهم في الكشف عن إيحاءاتها. إنَّ القرآن نزل ببيان بلغ الذروة في بلاغته، وجاء محكماً في معانيه، متآصراً بين ألفاظه، يستعمل اللسان العربي بعد أنْ يرتفع به عن اللغة البشرية بصورة مؤثرة؛ تنبض حيوية، وتقفز بمشاعرك حتى يبلغ قلبُك حنجرتَك؛ إنْ كان الأمر شديداً، وترخيها حتى تلامس شغاف القلب حباً إنْ كان جميلاً. و«سورة الفيل» شعاع مِن هذا الكوكب الدري المضيء بالزيت الإلهي.
إنَّ السورة تتحدث عن «يوم ذي قار» وهي موقعة فاصلة، حريٌّ أنْ يخلّدها القرآن ببيانه البليغ؛ إلى حد الإبهار في تأثيره، ولذلك؛ شبّه انقضاض الجنود على أصحاب الفيل بـ«طير أبابيل»، فهم ينزرقون في المعركة أسراباً كالطير؛ رشيقةً في هجومها، جارحةً في انقضاضها، ينقضون بـ«حجارة من سجيل» متوهجة بالقار -وبه سميت المعركة- على «الفيّالة»، فيسقطون مِن بروج فيلتهم؛ فإذا هم تحت أقدامها كـ«عصف مأكول». انظروا إلى هذا المشهد الواقعي، وإلى التأثير القرآني على النفس بهذا الوصف البديع، وقارنوا به «التفسير العجائبي» الذي يطمس بلاغة البيان القرآني مِن ذهن القارئ، وهو تفسير يزداد برودة كلما تقدمت البشرية في وعيها وعلومها، في حين يزداد البيان القرآني حرارةً ويزدان تألقاً في النفس مع هذا الوعي.
يقول جواد علي في «المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام»: (يرجع الأخباريون سبب وقوع «ذي قار» إلى مطالبة كسرى ابرويز هانئ بن قبيصة الشيباني بتسليم الودائع التي أودعها النعمان لديه إليه. فلما أبى هانئ تسليم ما أؤتمن عليه لغير أهله، غضب كسرى، فبعث إلى الهامرز التستري وجلابزين، وكتب إلى قيس بن مسعود ذي الجدين، بأنْ يرافقوا إياساً، فإذا اجتمعوا فإياس على الناس. وجاءت الفرس معها الجنود والفيلة عليها الأساورة، فالتحموا بأرض ذي قار، فلما كان اليوم الأول، استظهر الفرس على العرب، ثم جزعت الفرس في اليوم الثاني مِن العطش، فصارت إلى الجبابات، فتبعتهم بكر وباقي العربان، فعطش الأعاجم، ومالوا إلى بطحاء ذي قار وبها اشتدت الحرب، وانهزمت الفرس، وكُسرت كسرةً هائلة، وقتل أكثرهم وفيهم الهامرز وجلابزين، وانتصر العرب على الفرس انتصاراً عظيماً، وانتصفت فيه العرب مِن العجم).
ويقول: (أمَّا متى وقع «يوم ذي قار»، فالمؤرخون مختلفون في ذلك، مِنهم مَن جعله في يوم ولادة الرسول، ومِنهم مَن جعله عند منصرف الرسول مِن وقعة بدر الكبرى، ومِنهم مَن جعله قبل الهجرة، وقد ذهب روتشتاين إلى أنَّه كان حوالي سنة ٦٠٤م، وذهب نولدكه إلى أنَّه بين ٦٠٤ و٦١٠م. وأكثر أهل الأخبار أنَّه وقع بعد المبعث، ورووا في ذلك حديثاً قالوا: إنَّ الرسول لما بلغه مِن هزيمة ربيعة جيش كسرى، قال: هذا أول يوم انتصف العرب مِن العجم، وبي نصروا) [بتصرف، ط1993م، ج3، ص293-294].
فـ«يوم ذي قار».. يوم عظيم لدى العرب، ترك أثره عميقاً في نفوسهم، ورغم اختلاف الرواة حول تفاصيله؛ فإنَّ مجمل أحداثه كافية لاعتماده تفسيراً للسورة، بما فيها تاريخ وقوعه -على إحدى الروايات- يوم مولد النبي الخاتم، وفيه استعمل الفرس سلاح الفيلة، وأبلى العرب بلاءً حسناً، تتوج بنصر مؤزر، سَرَّ النبيَ فامتدحه، كما سجله الضمير الإسلامي.
إنَّ هذا اليوم هو الأجدر أنْ يذكره القرآن؛ عبرةً بحدثه، وإرهاصاً بانبلاج فجر الإسلام، فهؤلاء العرب المقاتلون الذين هزموا «المجوس غير الموحدين» هم «نصارى موحدون»، وليسوا مسيحيين مُؤَلِهين للمسيح. فحق لهذا اليوم العظيم أنْ تخلده السورة، وليس القول بأنَّ الله خلّد انكسار نصارى الحبشة الموحدين أمام مشركي مكة حمايةً للكعبة، وقد اعتدى عليها بعض المسلمين في صراعهم بالهدم، ولم يحدث لهم شيء، فالحياة.. يسيّرها الله بنواميسه المنطقية الشاهدة على قدرته وحكمته.
