العيدية أول دروس المال

15 مارس 2026
15 مارس 2026

العيد على الأبواب، وتبدأ معه فرحة الأطفال التي لا تشبهها فرحة أخرى؛ فهو بالنسبة لهم يعني ملابس جديدة، وزيارات، وضحكات، ثم اللحظة المنتظرة: العيدية. وهي بالنسبة لهم ليست مجرد نقود، بقدر ما هي شعور بالاستقلال واعتراف بأنهم أصبحوا كبارًا بما يكفي ليحملوا مالًا في أيديهم. لكن ما يحدث بعد ذلك يختلف من بيت إلى آخر.

في بعض البيوت، تُؤخذ العيدية من الطفل فورًا، دون شرح، بحجة: «سنحتفظ بها لك». وفي بيوت أخرى، يُترك الطفل بمبلغ كبير لا يعرف كيف يتعامل معه، فينفقه بعشوائية، أو يتعرض للاستغلال من الكبار، أو يشتري به ما يضر صحته. وبين هذين الطرفين تضيع فرصة ثمينة؛ لأن العيدية ليست مجرد مبلغ يُعطى وينتهي الأمر، بل هي أول درس عملي في العلاقة مع المال.

حين يأخذ الأهل المال من الطفل دون شرح، قد تصل إليه رسائل غير مقصودة، مثل: أن المال ليس من حقه التصرف فيه، وأن الكبار وحدهم يملكون القرار، وأن الفرح بالعيدية مؤقت ومشروط. حتى لو كانت النية الادخار لمصلحته، فإن غياب الشرح يحوّل التجربة من فرحة إلى التباس. ولا أقصد هنا بالطبع ترك المال له بالكامل، بل إشراكه في القرار. كأن يُقال له مثلًا: «جزء من العيدية سنحتفظ به لك في صندوق خاص، وجزء يمكنك أن تختار كيف تنفقه». بهذه الطريقة يتعلم أن المال يُقسَّم، وأن رأيه مسموع.

في المقابل، ترك الطفل يتصرف بمبلغ كبير دون توجيه قد يضعه في مواقف غير آمنة؛ فقد يستغله من هم أكبر منه سنًا، أو يشتري بكثرة دون إدراك للقيمة، أو يربط الفرح بالاستهلاك المفرط. فالطفل لا يحتاج إلى حرية مطلقة، بل إلى حرية موجهة. يمكن الجلوس معه لدقائق قبل العيد لشرح معنى العيدية، وكيف يمكن تقسيمها، مع توضيح الفرق بين الرغبة والحاجة. وهنا يمكن اعتماد قاعدة سهلة تناسب مختلف الأعمار: جزء للادخار، وجزء للإنفاق، وجزء للعطاء (هدية بسيطة أو صدقة). حتى لو كانت المبالغ صغيرة، فالفكرة أهم من الرقم. فعندما يرى الطفل أن ماله يمكن أن يخدم أكثر من غرض، تنمو لديه مهارة إدارة المال بشكل طبيعي.

واحْمِ طفلك من الاستغلال من خلال تجنّب ترك مبالغ كبيرة معه دون متابعة، والاتفاق معه على حدود للشراء خلال أيام العيد، وتعليمه أن يستأذن قبل أي عملية شراء كبيرة، مع متابعته بلطف دون تفتيش أو تحقيق. فالرسالة التي نريد إيصالها هي: «نثق بك وندعمك».

فالعيدية فرصة تربوية لا تتكرر كثيرًا؛ فكثير من دروس المال تأتي لاحقًا في الحياة بعد أخطاء مكلفة، لكن العيدية تمنحنا مساحة تدريب آمنة، بخسائر بسيطة وتجارب قصيرة. وبدل أن تكون العيدية مصدر خلاف أو فوضى، يمكن أن تكون بداية حوار صحي داخل الأسرة حول المال، يتضمن النقاش حول: من يملك القرار؟ كيف نختار؟ لماذا ندّخر؟ ولماذا لا نصرف كل ما نملك فورًا؟ فالطفل الذي يتعلم هذه المعاني مبكرًا يكبر وهو يرى المال أداة لا غاية.

فالعيدية ليست مجرد ورقة نقدية؛ إنها أول خطوة نحو علاقة متوازنة مع المال.  

حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية