عُمان التي قالت «لا» في وجه من قالوا «نعم»

15 مارس 2026
15 مارس 2026

يُوصَفُ شعبُنا بالطيبة المُفرطة، شعبٌ مُتناء متقوقعٌ على ذاته، تُوصَفُ مُدنُنا بأنّها خاليةٌ من الأبراج المتعالية والمشاريع الاستثمارية الضخمة. ثمّ يخرجُ من يضجرُ من «حيادنا» صائحا: «أين أنتم من كلّ ما يحدث؟»، وكأننا كائناتٌ تنتمي إلى كوكب آخر، فينتابنا شعورٌ بالإقصاء عن امتلاك موقف، وخيبة أمل من الصمت المُريب! 

لكن حين جدّ الجدّ، وبدأ العالم يخبط بعضُه بعضًا، في مشهد سينمائي غير مؤطر الحدود، خرج صوتُ عُمان المُدَّخر، صوتٌ يعرف قيمة كلمته، ويعرف ماذا يقول، ومتى يتوقف عن الخوض مع الخائضين. صوتٌ لا يرومه إلا من يملك رؤيةً واعيةً لسيناريوهات حادّة قد تقلب العالم رأسًا على عقب. 

ولعلنا لم ننتبه إلى معنى «تعايشنا الآمن» إلا حين تجلّى في أضداده. في صور أخرى لشعوب تحكمها شريعة الغلبة. وكأن نمطنا الاجتماعي وطبيعته في علاقة عضوية غير منفصلة مع أدوارنا السياسية، كامتداد لثقافة تُقدّر الانفتاح على الآخر وقيم التسامح. هكذا تتدفّق هذه القيم في خزائن خطابنا الرصين، خطاب غير مُهادن، لكنه أيضًا غير ناتئ عن نسيجنا الكلّي. ذلك النسيج الذي يُذكّرنا بصرخة أمل دنقل في قصيدته: «لا تصالح ولو منحوك الذهب». 

في أحلك الظروف، يظهرُ وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، رجلًا مُحنّكًا يشيرُ إلى عوار الأزمة: «غير الأخلاقية وغير القانونية». وهو صوتٌ لم يمنع عُمان في الوقت نفسه من انتقاد الهجمات الإيرانية على دول الجوار من دون اصطفاف همجيّ واهم، إلى جوار صوت إعلام واع ومُنسجم مع روح المرحلة، يقف على مسافة آمنة من مُشعلي الفتن وذبابه الإلكتروني الذي يدعو إلى التفريط بدماء الإخوة. 

الإنصاتُ المتعقّلُ لما يدور خلف الهجمة الشرسة وتلك الدعوى «بإعادة تشكيل المنطقة، والدفع إلى التطبيع مع إسرائيل»، هو إنصاتٌ يكشفُ صلابة موقف عُمان ورفضها الناضج الانخراط في أي ترتيبات سياسية تفرضها الحرب. موقفٌ يجعلنا نحن العُمانيين خارج الجوقة الصاخبة، وفي صفّ من «قالوا لا في وجه من قالوا نعم». 

لطالما شعرنا بأنّ الحياد العُماني يُقصينا عن حيوية المشهد، وعن تأدية دور أصيل فيه. ويبدو أننا كنا بحاجة إلى تجربة قاسية على هذا النحو لنُدرك أن الحياد يمكن أن يكون موقفًا واعيًا أيضًا، يرفضُ الانجرار إلى ضجيج لا يُنتج إلا المزيد من الاحتقان. 

فالحياد الذي وسمناه طويلًا بالسلبية، يكشفُ لنا كيف غدت عُمان صمّام أمان للمفاوضات الهادفة إلى احتواء التصعيد، حتى تكاد تكون الدولة الوحيدة في الخليج التي تجمع القنوات المُتشنجة إلى طاولة واحدة، فاتحةً قوسًا واسعًا لمساحة تفاوضية آمنة تمنع الحروب قبل وقوعها. تفعلُ ذلك من دون أن تتشدّق أمام العالم بأدوار زائفة، أو تدّعي بطولات لفظية، فلا تُدنسُ يديها في أوحال الصراعات عديمة القيمة، ولا تُغذّي شجرة الطائفية المسمومة، ولا تطربُ لإشعال الجمر تحت القدور التي تغلي. ورغم موقعها الحسّاس على مضيق هرمز، والذي يعني أنّ أي حرب في الخليج تمسّها على نحو مباشر، فقد اختارت أن تصون تفرد استقلالها السياسي. 

غير أنّ تصاعد الحرب يجعل مهمة الحياد العُماني الرصين أكثر صعوبة، يمتحنُ شخصيّتها المُنسجمة، فعُمان لم تكن خارج ارتدادات اللعبة القذرة، إذ تعرّضت موانئ ميناء الدقم وميناء صلالة وميناء صحار لهجمات بطائرات مسيّرة، فلم تنحرف عن خطابها المتزن. وليس ذلك انسلاخًا من قدرتها على الرد -كما يظن البعض- بقدر ما هو تعبيرٌ عن حسابات مدروسة تُمليها طبيعة المنطقة الملتهبة. فعُمان بحسب العديد من المقالات الأجنبية: «ليست دولةً محايدة فحسب، بل ضرورة دبلوماسية»، أو «مديرا للكوارث الدبلوماسية في المنطقة». 

يرى الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط جيمس وورال أنّ «ممارسات الوساطة في عُمان تطوّرت من كونها مجرد أداة داعمة للسياسة الخارجية إلى أن تصبح جزءًا مركزيًا من محاولة سلطنة عُمان الحفاظ على استقرارها في بيئة إقليمية متوترة». 

عُمان لا تستعير صوتًا ليس لها، وإنّما تُنمّي طابعها الفريد. طابعًا يُشبه تنوّع بشرها وجغرافيتها وشجرها وعمرانها. لقد فتحت أجواءها وحدودها وهيأت طواقم الإنقاذ للآخر كمن يفتح شريان حياة. هكذا ومنذ أن تطأها قدماك لا تشعر بحدّتها ولا بتطاولها، بل تبدو منسجمةً كلوحة فسيفسائية تُضيء كلُّ قطعة فيها الأخرى. 

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»