⁨ما بعد التأميم... دم في رائحة البترول⁩

14 مارس 2026
14 مارس 2026

⁨كلما تخيلنا اندلاع حرب في الخليج العربي فإن الصورة التي يستدعيها الخيال الجاهز عن هذه الحرب هي صورة البحر المشتعل بحرائق النفط. التأمل في زرقة البحر هذه الأيام يعيد إلى الذاكرة صور حرائق البحر التي وثقتها الكاميرات خلال "حرب الناقلات" في سنوات الصراع الثمان بين العراق وإيران، ومشاهد أخرى بكاميرات أكثر جودة مطلع التسعينيات لحرائق حقول النفط الكويتية.

التأمل في صور حروب الخليج يكشف عن المفارقة الخطرة التي عاشت عليها المنطقة طيلة تاريخها المعاصر، في آخر مئة سنة على الأقل. وهي مفارقة قامت على الرفاه والاستقرار والتنمية بين نقيضين، بين ماء الخليج من جهة، واهب اللؤلؤ والمحار كما ينشد السيَّاب، وناره المستخرجة من باطن الصحراء من جهة أخرى، أي بين ثنائية البحر والصحراء، حيث تعيش شعوب المنطقة في ظلال الماء والنار، عنصريّ التكوين المتناقضين.

يُنقل عن محمد إدريس السنوسي، المعروف بآخر ملوك ليبيا قبل أن يطيح به القذافي، أنه لم يكن سعيدًا عند إخباره بأن اتحاد الشركات الأمريكية قد اكتشف النفط في بلاده، وكان رده: "أتمنى لو أنكم عثرتم على المياه"! أما خوان بابلو بيريز ألفونسو، وزير النفط الفنزويلي الأسبق والذي كان من أبرز المنادين بفكرة إنشاء منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) فقد وصف النفط بأنه رجس من عمل الشيطان قائلًا: "نحن غارقون في رجس الشيطان". بهاتين الإشارتين يُصدر عالم السياسة الأمريكي مايكل روس كتابه "نقمة النفط: كيف تؤثر الثروة النفطية على نمو الأمم". وقد انشغل روس طوال مشواره البحثي بدراسة العلاقة بين الموارد الطبيعية والسياسة، وخاصة حين يتعلق الأمر بتأثير النفط والغاز على مسألة الديمقراطية والاستبداد والعدالة التنموية، أو كما يصفها هو بـ"ابتلاء" الثروات والموارد الطبيعية.

في كتابه هذا يعترف روس بالذنب حين يتراجع عن ادعاءاته التي ساقها في دراساته السابقة، والتي انصاعت لمقولات جاهزة من قبيل أن "استخراج النفط يؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي على نحو غير طبيعي، أو يجعل الحكومات أشد ضعفًا، أو أكثر فسادًا، أو أقلَّ فاعلية" دون أن يمتلك البرهان القاطع على هذه المزاعم. فهو يعدل عن هذه النظرة برفض الفكرة الحتمية التي ترى في اكتشاف الثروة النفطية في البلدان النامية "نقمة" قدرية على شعوبها، فالمسألة أكثر تنوعًا وتعقيدًا من هذا الادعاء المطلق، ولم تكن كذلك في جميع الحالات ولا في سائر الأوقات. فعلى سبيل المثال، لوحظ تفوق الدولة النفطية النموذجية على الدولة النموذجية غير النفطية في خفض معدل وفيات الأطفال. فهناك بلدان تمكنت على حد قوله من تحويل نقمة النفط إلى نعمة في بعض المجالات؛ فقد نجحت المكسيك في توسيع مساهمة النساء داخل الاقتصاد وتمكينهن من الوظائف الحكومية، في حين تفادت بلدان مثل الإكوادور وكازاخستان حروبًا أهلية بفضل عائدات النفط. ويستشهد روس بعمان مثالًا على بلد استفاد من تمويل النفط في تحقيق نمو اقتصادي "سريع ومطرد ومنصف". إلا أن صاحب "نقمة النفط" لا ينفي أن البلدان المنتجة للنفط في العالم النامي "أصبحت أقل ديمقراطية وأكثر تكتمًا وسرية من مثيلاتها غير النفطية" وأنها مرشحة أكثر من غيرها للنزوع نحو الاستبداد والصراعات الأهلية.

لم يبرز النفط نقمةً على الحريات في البلدان النامية إلا بحلول سبعينيات القرن العشرين وفقًا لما يراه مايكل روس. فهو يعزو ذلك التحول إلى موجة تأميم الشركات النفطية التي اجتاحت خلال ذلك العقد دول المنطقة الغنية بأكثر من نصف الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط. وفي هذا السياق، لا بدَّ أن نتذكر ما حدث قبلها بنحو عشرين سنة في إيران، حين قاد محمد مصدق محاولة جريئة لتأميم صناعة النفط الإيراني بالكامل وإنهاء امتياز الشركة البريطانية المعروفة باسم شركة النفط الإنجليزية الفارسية، والتي هيمنت على الثروات النفطية الإيرانية على مدى نصف قرن لقاء عوائد زهيدة. وكما هو معروف، فقد قُضي على تلك المحاولة بالانقلاب الذي أطاح بحكومة مصدق بعد العملية السرية التي دبرتها الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، وكان من تبعاتها عودة الشاه إلى السلطة بقبضة أمنية أقوى وأشد عنفًا تجاه المعارضة.

بالرغم من فشلها، زرعت ثورة مصدق أولى بذور العداء بين إيران والغرب. وسرعان ما أصبحت حدثًا رمزيًا محرضًا لشعوب الجنوب العالمي على النضال ضد هيمنة شركات النفط الأجنبية، الفكرة التي بدأت بوادرها مطلع السبعينيات في الجزائر وليبيا، قبل أن تتجلى بقوة في العراق، ثالث أغنى بلدان المنطقة بالنفط بعد السعودية وإيران، حين دفع صدام حسين بمجلس قيادة الثورة لإعلان تأميم شركة نفط العراق عام 1972.

بالنظر إلى أن أغلبية سكان الدول الغنية بالنفط هم من المسلمين كما يشير الكتاب، فإن أطروحته تقف على إشكال جدلي تُعنى به دراسات ما بعد الاستشراق، خاصة من ناحية تساوقها أحيانًا، أو تعارضها في أحيان أخرى، مع مقولات سائدة لدى الباحثين الخارجين من معاهد دراسات الشرق الأوسط. يكمن الإشكال في المقاربة التي ترى أن الانقلاب التاريخي الذي أعقب ثورات تأميم صناعة النفط ساهم في تمكين أنظمة أبوية مستبدة وضعت يدها أخيرًا على الثروات النفطية، بعد عقود بقيت فيها تلك الثروات رهينة لدى عدد محدود من الشركات الأجنبية الكبرى التي عُرفت آنذاك باسم "الأخوات السبع". ففي غمرة الشعور بالاستقلال والانتصار باستعادة السيادة على الموارد الوطنية، وبعد حقبة طويلة من الهيمنة الاستعمارية، لم يُلتفت كثيرًا إلى الطريقة التي ستدار بها تلك الموارد أو إلى طبيعة الأنظمة التي ستتحكم بعوائدها غير العادية. فقد تضاعفت سرية العائدات بعد التأميم "وغالبًا ما تتواطأ الحكومات مع شركات نفط عالمية لإخفاء صفقاتها وتعاملاتها التجارية، وتستخدم شركاتها النفطية الوطنية لإخفاء إيراداتها ونفقاتها على حد سواء".

ربما تقنعنا نظرية "لعنة الموارد" حين نتأمل في حقبة العلوق المديدة داخل الاقتصادات الريعية المدمنة، والتي خلقت دولًا لا تفرض الضرائب على مواطنيها، أي نعم، ولكنها، ومن ذات المبدأ، تقصيهم من المشاركة السياسية وتتعالى على المساءلة الشعبية. ولا شك أيضًا بأن نمط الإنتاج يشكل الثقافة بدوره ويعيد إنتاج المجتمع وهندسته، سواء حين يتعلق الأمر بمستوى الحريات أو بالمشاركة السياسية أو دور المرأة في المجتمع... إلخ. بيد أن تعميم الاعتقاد بأن "إدمان النفط" بعد مرحلة التأميم هو العامل المطلق في ترسيخ النظم الأبوية اعتقادٌ لا يخلو في نظري من قصور معرفي تجاه طبيعة مجتمعاتنا، وعلى نحو يجهل أو يتجاهل الإرث الاستعماري العميق في طبيعة تكوين السلطات القائمة، ولا ينأى في الوقت ذاته عن الاشتراط المساوم بين حق الشعوب في استقلالها الكامل والسيادة على مواردها، في ذات الوقت الذي تحلم فيه شعوب هذه المنطقة بخيارات العدالة الاجتماعية والحرية خارج شروط التبعية التقليدية والمعايير الاستعمارية. ولعل تصريح ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي الأسبق، المنسوب له أعقاب "عاصفة الصحراء" يعبر بثقة عن هذا المضمون: "المشكلة أن العناية الإلهية لم تر من المناسب وضع احتياطيات النفط والغاز حيث توجد حكومات ديمقراطية"!