نوافذ :ثياب من وهم

17 نوفمبر 2021
17 نوفمبر 2021

كنت دائما أظن أن "ثياب الإمبراطور" للدنماركي هانس كريستيان أندرسن مأخوذة من الحكايات الشعبية الأوروبية، لكني اكتشفت مؤخرا، أنها مأخوذة عن أصل مغربي، وكان من نقلها إلى أوروبا، هو الطبيب الأسباني "بيتروس ألفونسو" في القرن الحادي عشر، في كتابه "ديسبلينا كليركاليس".

تكاد النسختان أن تتطابقا لكنهما في الحقيقة تختلفان في مواضع مهمة، فملخص القصة في نسختها المغربية الأصلية تقول: "إن لصين أوهما أحد الملوك أنهما خياطان، وأنه بمقدورهما صنع ملابس من قماش سحري، لا يستطيع إلا صحيح النسب رؤيته، أعجبت الفكرة الملك، فبذلك يسهل عليه معرفة مستحقي الميراث، سواء عرفوا بصحة نسبهم أم لم يعرفوا".

بدأ الخياطان بنسج القماش السحري وتفصيله، وعندما أرسل الملك بعض وزرائه للتحقق، لم يتمكنوا من قول أنهم لم يروا شيئا ينسج على النول، خوفا أن ينكشف لهم قبل غيرهم، أنهم أبناء غير شرعيين لا سمح الله.

أوهم الخياطان الملك بأنهما يلبسانه الثوب السحري، ورغم أنه لم يرَ الثوب الذي لبسه، إلا أنه لم يعترض، فقد أكد وزراؤه له أنهم رأوه، وهكذا خرج الملك إلى الناس بالملابس التحتية، ومشى بينهم دون أن يجرؤ أحد على قول شيء، إلا أن عبدا من عبيد السوق صرخ بهلع قائلا "مولاي الملك خرج بلا ثوب".

أما القصة التي أوردها أندرسن فقد جعلت من خواص القماش السحري الذي نسجه المحتالان للإمبراطور، أنه لا يرى إلا من قبل من كان فاسدا، أو غير جدير بمنصبه، أو أن يكون أحمق، ولذا فعندما أرسل الإمبراطور طبيبه الخاص للتحقق من القماش السحري، لم يجرؤ على قول أنه لم يرَ شيئا فيغامر بخسارة منصبه في الحاشية، أو أن يتهم بالحمق.

وكما في الأصل العربي، لبس الإمبراطور الثياب اللامرئية، وخرج في موكبه على الناس عاريا، لكن في قصة أندرسن لم يكن من كشف عري الإمبراطور عبدا، بل طفلا صاح "الإمبراطور يمشي عاريا".

نلاحظ الفرق ليس فقط بين النسختين، بل وبين ثقافة المجتمعين كذلك، فموضوع صحة النسب كانت هي نقطة الضعف في مجتمع مغربي عربي مسلم، بينما عند أوروبي القرن التاسع عشر الاستعماري فإن انعدام الكفاءة والغباء، هما نقاط الضعف التي استغلها المحتالان.

في القصة العربية كان الكاشف عبدا لا يعرف في الأصل نسبه ولا يكترث له، بينما تغير ذلك في قصة الإمبراطور، فاستبدل العبد بطفل، يقول ما هو واضح أمامه دون خوف.

طالما أثارت هذه القصة خوفي وقلقي، فهي تثبت من ناحية أنه هناك دائما ثلة من اللصوص والمحتالين، يمكنها التلاعب حتى بأعلى الناس مكانة، بل وبإمكانها إسكات أفواه الآخرين وربما ضمائرهم أيضا.

لكن ما يطمئن في الحكاية، أنها تثبت أن بإمكان الأدب أو الأديب، والذي يحدث أن يكون هو الضحية أحيانا، قول ما لا يقال، وفضح المسكوت عنه، وإيصال الرسائل العميقة بخفة حكاية تتناقلها الشفاه، وتسكن في الوجدان، فتترك علاماتها كإشارة تنبيه، من تكرار ما حدث في قصة ثياب الإمبراطور الذي مشى عاريا بكل ثقة الجهال.