لماذا رحلت يا أبا ماجد باكرًا؟

20 مايو 2026
20 مايو 2026

لا يمثّل الأستاذ خميس العدويّ شخصيّة ثقافيّة عمانيّة عابرة، بل كان روحا ثقافيّة ليس من السّهولة نسيانها وإن فارقنا سريعا وهو في منتصف العقد السّادس من عمره. ولا يمكن فهم التّفكير الدّينيّ، ودراسة الثّقافة العمانيّة المعاصرة بعيدا عن العدويّ. فهو لا يمثل حالة إداريّة عابرة؛ لأنه كان رئيسا لمركز النّدوة الثّقافيّ في بهلا، أو رئيسا لمجلس إدارة الجمعيّة العمانيّة للكتّاب والأدباء سابقا ثمّ نائبا للرّئيس، أو كان رئيسا للمنتدى الأدبي، أو كان عضوا في مجلس إدارة النّادي الثّقافيّ، حتّى آخر منصب له كمستشار لوزير الثّقافة فيما يتعلّق بالثّقافة، جميع هذا - وأنا كنت قريبا منه لثلاثة عقود - أجده حالة عرضيّة هامشيّة من حياة العدويّ.

الحالة الأصيلة لخميس العدويّ تجدها متمثلة في كونه الرّوح الثّقافيّة العمانيّة الّتي سكنت كلّ مثقف عمانيّ، تجده داعما حاضرا للمشهد الثّقافيّ ولو يديره شباب بسيطون في بدايات عمرهم، وفي حراكهم الثّقافيّ في مقهى بسيط. الرّجل الّذي أحبّه الجميع على اختلاف مشاربهم الثّقافيّة، ومستوياتهم المعرفيّة، ومراتبهم المنصبيّة. بالأمس صباحا كانت جلسة ثقافيّة مع ضيوف من خارج عُمان، وكان اسم العدويّ يتكرّر وكأنّه حاضر بيننا، وفي المساء كانت الفعاليّة في النّادي الثّقافيّ، فكان قبيل سماعنا لوفاته ــ رحمه الله ــ من يسأل عنه: هل سيحضر؟ وعندما وصل الخبر أراد بعضهم تأجيل الفعاليّة، لكن بدأت القاعة تمتلئ، فكانت بداية الفعاليّة نعيا ودعاء له، وكأنّها أعدّت له.

أعرف العدويّ جيّدا، وأعرف حضور اسمه خارج عُمان، بيد أنّي ما كنت مدركا أنّ روحه الثّقافيّة ليست في عُمان فحسب، فمنذ إعلان خبر وفاته حتّى بدايات الفجر لم يتوقف هاتفي من الرّسائل والاتّصال. ولا يكاد دولة عربيّة ــ فضلا عن غيرها - لم يصلني منها نعي أو رسالة، بل تعجبت من مقالات كتبت سريعا عنه، ونشرت في مجلّات رقميّة، ونشرت بيانات تعزية من مؤسّسات ثقافيّة خارج عُمان، ومنهم من تواصل يريد حجز تذكرته للمشاركة في الدّفن. أخبرتهم أننا في عُمان ندفن الميّت سريعا، وما زالت الرّسائل لا تتوقف حتّى كتابة المقالة؛ فأيّ روح ثقافيّة هذه لامست حبّ الجميع، وإن كانوا متباينين في توجهاتهم؟قبل أقل من أسبوعين اتّفقنا على المشي؛ فمشينا ما يقارب ثلاث ساعات، فكان يحدّثني عن كلّ شيء تعلّق بجانبه العمليّ والثّقافيّ في عقوده الأخيرة، وعن طموحه الثّقافيّ وتحدّياته، وعن آماله ورغباته. أخبرني عن مقالاته القادمة في جريدة عمان، وعن اشتغالاته المعرفيّة، وأذكر من حديثنا قصر عمر الإنسان مقابل حجم تطلّعاته. ما كنت أدرك حينها أنّ العدويّ يستعدّ للوداع القريب، فكانت بيننا مراجعات في المشهد الثّقافيّ المعاصر، وكأنّ مراجعاته رسالة وداع. ولطالما كرّرت له ضرورة أن يكون لك موقع ومرجع لتراثك ونتاجك، فكان يجبيني بعدم خبرته في هذا، فقلت له: لك تلاميذ ومحبّون لن يقصّروا في ذلك. واليوم بعد رحيله أرجو من أبنائه وتلاميذه أن يحقّقوا أمله؛ فتراث هذا الرّجل ذاكرة ينبغي أن تكون حاضرة في منصّة إلكترونيّة جامعة لنتاجه.

في الأسبوع الماضي تواصل معي عن رغبته في لقاء أحمد برقاوي، وحضور فعاليّة الفلسفة، لكن أحدا من عائلته وكان في بداية شبابه توفي بمثل حالة وفاته، أخبرني أنّه في مقام أبنائه، وأخبرني عن الموت الّذي لا يمايز بين أحد. وفي نهاية الأسبوع كانت لنا جلسة مع رئيس الجمعيّة الأستاذ سعيد الصّقلاويّ لأجل احتواء الشّباب من الجيل الجديد، وفتح المجال لهم في العمل الثّقافيّ. كان العدويّ خير داعم لذلك، وكان يحثّ على توثيق الفعاليّات، وممّا قاله -فيما معناه- أنّ اللّحظة تذهب ويبقى ما يترك من أثر وعلى رأسه التّوثيق الكتابيّ، وكأنّه يخاطب ذاته أنّه سيذهب سريعا، بيد أنّ العدويّ رغم الأفكار الّتي تزاحم عقله، إلّا أنّه كان يوثق أفكاره، وأصدر العديد من التّحريرات، وغالب النّدوات العلميّة الّتي أشرف عليها قام بتحريرها بذاته، ومنها لقاؤه الأخير مع الشّيخ حسن الصّفّار من السّعوديّة في مركز النّدوة الثّقافيّ ببهلا. وآخر ما أرسله له لي في الواتساب كانت وردة، وكأنّها وردة الوداع الدّالة على صفاء روحه، ونقاء سريرته.

ما كنت أتصور حتّى هذه اللّحظة أنّ أبا ماجد سيرحل سريعا جدّا، كان الخبر أليما وجارحا على الجميع، فكيف على القريبين منه؟ ما زالت منصّة قرّاء المعرفة تنتظره في جلسات قريبة مع الشّباب، وكنّا نخطّط قبل أقل من أسبوع لفعاليّة في جربة بتونس بداية سبتمبر المقبل، وكان يحدّثني في الأيام الأخيرة عن رغبته في مشاركتي له في مشروع مجلّة الوحيّ، وأنّه يحتفظ بعشرين عددا استطاع الحصول عليها. كانت لديه آمال مشاريع كبيرة في عُمان وخارجها، بيد أنّ الأجل أسبق، والعمر أقصر من الأماني والرّغبات.

خميس العدويّ شاهدٌ على تحولات التّفكير الدّينيّ في عُمان المعاصرة، ومثقف موسوعيّ منفتح على الجميع، وما يميّز العدويّ أنّه باحث ومفكّر حرّ واجه التّحدّيّات والعقبات، وصبر على الجمود، بيد أنّه كان مخلصا لفكره، كثير التّأمل والمراجعات، مستمعا جيّدا للمختلف. لم أره يوما حاملا حقدا لمن خالفه ولو أساء في نقده، أو كان متحدّثا عن أحد بسوء أو رغبة في التّشفي. كان مثالا حقيقيّا في صفاء الباطن، وحسن معشر الظّاهر.

أكره شيء لديه التّمذهب، فيرى أنّه مسلم بإيمان الفطرة، وحسن خلق التّعامل مع الآخر. يرى أنّ المذاهب جميعا إيمانها واحد، ومصداقها الحقيقيّ هو الخلق الحسن، وليس المظاهر والأشكال؛ لهذا أحبّه الجميع، ووجد فيه جميع المثقفين في عُمان جمال المثقف المتديّن بالصّفاء والحبّ والسّلام. فارقد أستاذنا العدويّ في سلام، وإلى جنّات الخلد والسّلام؛ فمثلك وإن رحل جسدًا، بيد أنّ فكرك خالد في ذاكرة عُمان والثّقافة عمومًا لأجيال طويلة قادمة.