خميس العدوي... من طين الفخّار إلى عجن الأفكار

20 مايو 2026
20 مايو 2026

أعادني خبر رحيل الباحث خميس العدوي -رحمه الله- إلى عام 2019م عندما زرنا ولاية بهلا يوم الجمعة الموافق 22 نوفمبر منه ضمن مشاركتنا في فعالية نظّمها صالون (سعيدة خاطر الثقافي)، وما أن وصلنا الولاية، حتى وجدناه يقف باستقبالنا بابتسامته الوديعة، وعلى الفور قام بواجب الضيافة، والحفاوة بنا، وكأننا نزور بيته، حتى أنه حين وقفت السيارة التي تقلنا في محطة بترول غافلنا، ودفع الفاتورة، وهذا الكرم ليس بجديد عليه، ثم اصطحبنا إلى مكتبة الندوة العامّة، بيته الأثير إلى نفسه، ومشروعه الثقافي الذي بدأه منذ تأسيس المكتبة عام 1996م، وكان العدوي الذي شغل موقع رئيس مجلس إدارتها يعرّف بالمكتبة بكلّ مكان يزوره، ويصطحب زوّار الولاية إليها، ويفخر بها، والمكتبة تستحقّ ذلك، فهي من المكتبات الكبيرة، وتضمّ أكثر من (40) ألف كتاب ورقي إلى جانب المكتبة الرقمية، وعلمنا أن العمل فيها تطوعي،

ومصادر تمويلها يعتمد على دعم الميسورين من أهالي بهلا؛ حبّا في العلم ونشر المعرفة، وللراحل خميس العدوي دور كبير في حثّهم على ذلك، وتطويرها، وانتقالها من مكتبة صغيرة في ولاية إلى مركز ثقافي يعجّ بالقرّاء والباحثين، وطلّاب العلم، حتى أنّها تقيم فعاليّات، ولها إصدارات، وفي المساء كانت لنا قراءات شعرية على الهواء الطلق وسط حضور واسع، وفي صباح اليوم التالي، كان العدوي قد أعدّ لنا برنامجا سياحيا تعريفيا بمعالم الولاية بدأ بزيارة قلعة بهلا، وسوقها الشعبي، وحصن سلوت الأثري، مرورا بحصن جبرين، والمسجد الأثري القديم، وانتهى بمصنع الفخار؛ حيث إنّ الولاية تشتهر منذ القدم بحرفة صناعة الفخار، والخزف،

وقال: في هذا المصنع اليدوي أمضيت سنوات طويلة، ثم قطع عدّة خطوات، وجلس على مقعد صغير أمام آلة لعجن الطين، وصنع الفخّاريات، وقال: «في هذا المكان أمضيت سنوات في مقتبل شبابي، كنت أجلس يوميا ساعات طويلة، لصنع أدوات منزلية مواصلين عمل الأجداد في حرفة عمرها آلاف السنين»، ثم أطرق مفكّرا، وكأنّه يتحسّر على أيّام الطين بعد أن جرفته عاصفة المعرفة، ليعجن الأفكار بدلا منه، فسرحتُ بعيدا، إذن من هذا المقعد الصغير المحاط بالطين انطلق العدوي الذي تولّى خلال مسيرته المهنية والفكرية التي اتخذت عدّة مسارات، فهو صاحب الكتب الفكريّة القيّمة لعلّ من أبرزها: السياسة بالدين.. في سبيل فهم منطق الأحداث، الإيمان بين الغيب والخرافة، فلسفة التأويل، الوحدة الإسلامية، سنّة الله في غير المسلمين، المثقف والسلطة: التأثير والتأثّر، الرواية وحركة التاريخ إلى جانب مؤلفات أخرى عديدة، في الثقافة، والتحولات الفكرية والسردية التاريخية العُمانية.

إلى جانب جهوده في العمل الثقافي ورئاسته للمنتدى الأدبي ومركز الدراسات الحضارية ورئاسته الجمعيّة العُمانيّة للكتّاب والأدباء وإشغاله موقع نائب للرئيس لعدة دورات، ومشاركاته الفاعلة في الندوات الفكرية والمؤتمرات داخل سلطنة عمان، وخارجها، فحظي بشعبية واسعة بين القرّاء والمحبّين، ومما أذكر حين كان يتجوّل في معرض مسقط الدولي للكتاب يجد صعوبة في الحركة، فلا يكاد يخطو خطوة دون أن يأخذه كاتب، أو صديق بالأحضان، أو يلقي عليه قارئ التحية، والتوقيع على كتاب له.

ثمّ كسر العدوي سرحاني حين نهض من مكانه ليهدي لنا قطعا من هذه الفخاريات التي يقبل على شرائها السيّاح الأجانب.

وقبل أقلّ من شهر عندما عقد اجتماع مجلس إدارة الجمعية العمانيّة للكتّاب والأدباء الجديد لإسناد المسؤوليات إلى أعضاء المجلس فاجأ الجميع بإعلانه أنه لا يريد الترشيح ليكون نائبا، فسأله المهندس سعيد الصقلاوي رئيس الجمعيّة: وما المسؤولية التي تودّ أن تشغلها؟ أجاب: «لا أريد أيّة مسؤولية، وأكتفي بأن أكون عضوا أخدم الجمعية، وأعضاءها».

وفي لقائي الأخير به أبدى لي رغبته بزيارة بغداد، والتجوّل بين مكتبات شارع المتنبّي وشارع السعدون، فزيارته السابقة التي كانت ضمن مشاركته في مؤتمر الأدباء العرب في أواخر يونيو عام 2018م كان مرتبطا خلالها ببرنامج أعدّته إدارة المؤتمر، فوعدته ببذل قصارى جهودي لترتيب زيارة له، ثمّ سألته إن كان قد تقاعد من العمل، فأجاب مبتسما كعادته: الوزارة لا تريدني أن أتقاعد؛ لذا حرّرت عقدا معي يستمر لعام٢٠٣٠م مستشارا في مكتب معالي الوزير، فباركت له هذه الخطوة، وتمنّيتُ أن يُجدّد العقد ثانية وثالثة للاستفادة من فكره، وعلمه الغزير.

وإذا كان الراحل خميس العدوي قد انطلق برحلته العمليّة من مصنع الفخار، والعمل في الطين، فقد عاد اليوم إلى الطين، ليُداف الفكر بالتراب، وقد عبّر الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري عن هذه الحقيقة المؤلمة عندما رثى الشاعر معروف الرصافي بقصيدة مطلعها:

لغز الحياة وحيرة الألباب

أن يستحيل الفكر محض تراب

لكنّ ما يصبّرنا على صدمة الغياب وألم الفقد أنه ترك أثرا لا يُمحى في قلوبنا ومكتباتنا.