الحج .. ما بين الوحدة الإنسانية والطقس الديني

20 مايو 2026
■ تنشر «عمان» المقالة الأخيرة التي أرسلها الكاتب خميس العدوي قبل وفاته.
20 مايو 2026

كل خطاب في القرآن عن الحج بالدعوة إليه هو موجه إلى «الناس»، لا إلى «المؤمنين» و«المسلمين» وحدهم، وهذه الأسماء الثلاثة متداخلة في الاستعمال القرآني، بيد أنها تتمايز عن بعضها في كثير من المواضع، وهذا يعرف من السياق؛ فكلمة «الناس» في سياق الحج لا تقتصر على أتباع النبي الخاتم، وإنما تشمل البشر، فقد كان الناس يحجون إلى البيت الحرام قبل الإسلام، فأمر الله المؤمنين بأنْ يفيضوا من حيث أفاض الناس قبلهم: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) «البقرة:199».

إن أمم الأرض كلها مدعوة للحج إلى البيت الحرام، ولكن هذا الخطاب الإلهي العالمي الذي يشمل الناس في دعوتهم إلى توحيد الله وابتغاء الفضل وتحقيق المنافع بينهم تحول لدى فقهائنا إلى ثقافة مغلقة وفقه جامد، وحرموا دخول المسجد الحرام الناسَ من غير طوائفهم. إنها ثقافة الإقصاء التي ابتلي بها المسلمون، ثقافة لم تقتصر على الناس من غيرهم، وإنما أخذت كل فرقة منهم تقصي أخواتها، لتكون هي وحدها «الفرقة الناجية». ولو استطاعت هذه الفرقة أنْ تمنع فرق المسلمين الأخرى عن شهود الحج فلا أظنها تتوانى عنه بعدما شهد التأريخ الإسلامي «المضحكات المبكيات» من التناحر بين المسلمين.

في مقررات الفقه تحول كثيرٌ من أحكام الدين إلى ثقافة طقوسية مفرغة من معانيها الحقيقية، فاشتغل الفقهاء في فقه الصلاة والصوم والحج بتوليد الآراء التي باينت بينهم دون أنْ يكون فيها كثير فائدة ببعث معانيها الإيمانية وقيمها الأخلاقية في نفوس المؤمنين، فلا يكاد تذكر هذه المعاني والقيم في كتب الفقه في مقابل عشرات المجلدات التي شقّقت شعرة الطقوس إلى ما لا يحصى من أقوال، حتى تاه المسلم في فهمها، وعجز عن تطبيقها.

فإنْ قلتَ: إن بعض الفقهاء تحدثوا عن مقاصد العبادات؟

قلتُ: هذا صحيح، إلا أنه حديث هامشي محدود مقارنةً بأحكام قرروها ما أنزل بها من الله سلطان. لقد عُدَّت معاني العبادات رقائق صوفية أو تحليلات فكرية، ولم يعتبروها فقهاً؛ تقليلاً من شأنها.

إن الصلاة ذكر لله، وما لم تنهَ عن الفحشاء والمنكر فليست بصلاة، بل هي طقوس حركية مفرغة من مضامينها ومقاصدها، ولا تعجب إنْ رأيت كثيراً من الوعاظ يهتمون بِحَثِ المصلين على كثرة الركعات لتحصيل الأجر، وليس باستثارة الروح العظيم المنبثق من ذكر الله، أو العمل الصالح الصادر من وقفة المصلي بين يدي ربه. وكذلك الصوم السبيل المبين للتقوى اختفى في بيداء الأحكام الجزئية التي تصدرها الفتاوى اليومية في شهر رمضان وغيره على أنها دين الله.

بات الحج والعمرة طقوساً جافة يؤديها قاصد بيت الله الحرام؛ يذهب إلى مكة ليغسل ذنوبه بعدد ما تلهج به لسانه من كلمات، وتهرول به قدماه من خطوات دون أن يُقِيمَها على الصراط المستقيم. ثم يرجع إلى حياته اللاهية بأوضارها الاجتماعية وأسقامها النفسية وانحرافاتها المسلكية منفقاً ما جمعه من مالٍ في سنين، والميسور يتابع الحج والعمرة كل سنة، وربما ذهب في العام أكثر من مرة. في ظل هذا التشخيص المادي لشعيرة الحج اختفت دلالة «الحج الأكبر» التي عمل على بنائها الأنبياء الكرام من لدن إبراهيم أبي الملة التوحيدية حتى محمد خاتم الرسالة الإلهية.

يقول الله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) «الحج:27»، وسواءً أقُصِد بالخطاب في الأذان النبي إبراهيم أم النبي محمد؛ فكل الأنبياء عليهم أنْ يتوجهوا بدعواتهم إلى الناس أجمعين. فالحج هو مؤتمر عالمي عظيم ليجتمعوا فيه على توحيد الله، وتآلفهم وتوداهم وتعاونهم، وعلى التعاهد بألّا يفعلوا المنكر والفحشاء ولا يقرّوا الظلم، ويقضوا على الموبقات من الأرض.

فليأتِ الناس كل الناس رجالاً وركبانًا للانطلاق إلى الهُدى من هذا البيت المبارك الذي وضعه الله للعالمين: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ) «آل عمران:96». لقد احتكره المسلمون لأنفسهم، وغفلوا أنْ يدعوا الناس إليه، وتحولت دعوتهم للناس إلى فتح بلدانهم بالسيف، وغنيمة أموالهم وسبي نسائهم وذراريهم. ولولا بقية من أولي النُهى والإيمان قاموا بالدعوة في آفاق الأرض لمَا كان للمسلمين فضل في نشر الإسلام بالموعظة الحسنة.

فليأتِ الناس كل الناس إلى هذه المائدة الربانية مسلمين لله ذاكرين اسمه على ما رزقهم، وليكن لكل منهم منسكه في أداء شعائر الحج طالما لا تشوبها شائبة من الشرك والفساد، يقول الله: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) «الحج:34». هل تفاعل المسلمون مع هذا الأمر الرباني؟! إنهم اختلفوا في المناسك، فاختلفت قلوبهم، وساءت أخلاقهم فيما بينهم. ويكفي أنه كلما اُهِلّ بالحج -وكذلك أُهِلّ برمضان- سارعوا إلى التراشق بالتضليل والإقصاء. لقد منعنا معظم الناس من دخول البيت الحرام، واقتصرناه على المسلمين الذين يقصي بعضهم البعض عن الإسلام!

الحج الأكبر يشمل مؤتمراً أكبر ينفتح على البشرية لتكون من أمة التوحيد الذي ارتضاه الله للعالمين: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)، وهو الذي يُتزود فيه بالتقوى؛ التقوى التي تعني فعل كل خير والكف عن كل شر. ويشمل أداء مناسك الحج: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) «الأنبياء:29».

هذا المؤتمر الأكبر لا تكفيه أيام معدودات كما يذهب الفقهاء بعد أنْ تحول إلى طقوس، يتعامل فيه المسلم مع الله بلغة التُّجّار، لا ببناء حياته على المنهج الإلهي من التوحيد والوحدة: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) «البقرة:197». فبعد أنْ يخرج المسلمون من رمضان شهر القرآن ومدرسة التقوى ينبغي أنْ يدخلوا في تفعيل شعائر الحج على مستوى عالمي داعين الناس إليه جميعاً. هذا المؤتمر الذي يبدأ من شوال إلى محرم كفيل بأنْ ينشر الخير في العالمين. إن الحج بشعائره العظام جاء ليخرج الناس من «الرفث والفسوق والجدال» إلى التقوى والعدل وعمل الصالحات.

لقد تحولت «شعائر الحج» المهذِّبة للنفس والدافعة للبناء الإنساني إلى طقوس محدودة الأثر ينفق المسلم فيها من ماله ووقته وجهده بما لا يقارن من الفضل الذي جعله الله في الحج، ومنه تبادل المنافع الدنيوية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) «البقرة:198». وبدلَ أنْ يكون الهَدي إطعام الناس المجتمعين إذا به طقس بارد، تذبح فيه البهائم، وكأنَّ الله تعجبه إسالة دماء الأنعام! فتحول البيت الحرام إلى مجزرة كبرى لها مع أنَّ القصد هو إطعام الجموع التي جاءت إلى الحج لتحقيق الأمة الواحدة الموحِّدة لله: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) «الحج:36-37». ومن معاني القانع: العدل (الذي يُقنَع برأيه ويُنتهى إلى أمره). والمعتر: (الذي يعتريك فيسألك) «ابن منظور، لسان العرب»؛ والمناسب هنا: الذي يكثر السؤال فيحرك العقول دون حرمان البائسين من فقراء الحرم من الهَدْي: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) «الأنبياء:28»، وكذلك فقراء الأرض تأليفاً لقلوبهم؛ ليُقبِلوا على توحيد الله، ورجاء أنْ يخرجوا من فقرهم، وتستقيم نفوسهم على فعل المعروف وترك المنكر؛ فقد كاد أنْ يكون الفقر كفراً.