نوافذ : بلاد يطيب فيها الموت
أعرف أن الصيف قد بدأ، وأن الحياة ستذهب من حر إلى حر أكثر وأمر، وأن موضوعاتنا ستتغير وستدخل درجة الحرارة والتكييف وفواتير الكهرباء كجزء من حديثنا اليومي.
لكني الآن بعيدة، والربيع في أمريكا وتحديدا في الولاية التي أزورها حاليا سيبدأ رسميا يوم غد، وفي هذا الوقت المتقلب بين فصلي الشتاء والربيع أستمتع برؤية عودة الخضرة إلى الأشجار، والحيوانات إلى الغابة.
أقطن في بيت رفيعة الطالعي، صديقتي المذهلة، بيت يحاذي غابة، وفي الغابة مماشٍ عبدتها الأقدام، وجسور من خشب كما في الرسوم المتحركة التي كبرنا ونحن نطالعها، متمنين تلك الخضرة، وتلك المؤاخاة مع الغزلان والأرانب والسناجب.
أمشي في دروب الغابة رفقة صديقتي، نمشي في صمت متأمل لدقائق، أحيانا نقف ونغمض أعيننا ونستنشق العالم ملء رئتينا، ثم نعود للمشي، أحيانا نلتقط خيط حديث بعيد عن العالم الذي قدمنا منه، أسألها كثيرا عن الحياة في أمريكا وقوانينها والديمقراطية الممتدة من باب المدرسة إلى باب الكونجرس، لكننا في غالب الأحيان نكتفي بالصمت، الصمت المهيب في حضرة الطبيعة، حيث يشعر المرء أنه جزء من كل وأن الكل هذا بقدر ما هو موجود في الخارج فهو موجود في الداخل أيضا.
ألمح سنجابا يتقافز بذيله الطويل كعلامة استفهام، فأخرج هاتفي محاولة التقاط صورة له، لكن السنجاب يختفي بسرعة، محافظا على خصوصيته ورغبته في أن يكون ما يريد، أن يكون خارج وسائل التواصل الاجتماعي، مكتفيا بروح الغابة التي تسكنه.
نعود للبيت فنعد وجبة الغداء المتأخر، وجبة فيها الكثير من التوابل والمحبة والذكريات وطعم البيت الأول، نلملم حكاياتنا المتناثرة عبر الزمن الذي عشناه أو الذي تخيلنا أننا عشناه في بلادنا التي نحب أكثر من أي مكان آخر.
في كلامنا اكتشفت وصديقتي أن بيننا نقاط التقاء كثيرة، لكن واحدة من أهمها هو إحساسنا ساعة دخول الحدود العمانية، برا أو جوا، ذلك الإحساس الذي تطيب فيه النفس، الإحساس باكتمال الدائرة والعودة للمنشأ، صرختنا الأولى في هذا العالم، الخلفية التي نضع أمامها كل شيء للقياس، ونقارن بها كل شيء نستحدثه، المسودة الأولى للوجود، هناك حيث تعلمنا أن العود الأبدي للنقطة الأولى، هو العودة إلى أصل الأشياء، إلى الوطن.
أقول لها في تلك اللحظة، لحظة الوصول إلى حدود عمان، أفكر «أنا في بلادي والآن لا أخشى الموت»، نضحك لأننا نكتشف أن هذا شعور مشترك، لكن الضحكة بترت وأنا أتذكر أني قلت ذلك بصوت مرتفع ذات مرة، فردت عليّ المرأة التي كانت تجلس على مقعد الطائرة بجواري: «نعم هي بلاد يطيب فيها الموت، لكن الحياة هي في مكان آخر»، لحظتها صدمني التعليق وشعرت بالارتباك فلم أرد، لكني الآن وبعد سنوات طويلة من تلك الحادثة أسترجعها وأهز رأسي وأنا أشعر بالغضب، غضب من أعماه الحب فتأخر في تدبر معنى قوله تعالى: «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها».
