نوافذ.. الحياة برأس مقطوع
“نادرون أولئك الذين نجوا من طفولتهم” هذا اقتباس ينسب لعالم الأعصاب النمساوي ومؤسس علم التحليل النفسي سيجموند فرويد، وسواء كان القول لفرويد أو لغيره، فلا أظن أنه جانب الصواب، وما علينا كي نستبصر ذلك إلا الجلوس إلى طبيب نفسي أو كتاب في علم النفس، لمعرفة أن غالبية الأمراض تأتي من مكان ما في الطفولة.
الطفولة زمن تشكل الشخصية، وقد تكون أيضا مكانا تعدم فيه شخصية الإنسان السوي، الذي بإمكانه أن ينجو بهذا العالم من الخراب، الخراب المرتبط بأشخاص يشيدون أماكن مظلمة تشبه تلك التي أتوا منها، حيث العنف والقسوة والإهمال والتحرش الجنسي والاعتداء والتنمر والابتزاز، سواء وقع ذلك عليهم أو شهدوا وقوعه على الآخرين، في البيت أو المدرسة أو الحقل أو دور العبادة أو الشارع.
هو عنف عالمي ينتج حوالي ملياري طفل على مدار العام الواحد، بحسب بعض الدراسات، ويرتبط بشكل وثيق بالعنف ضد المرأة، وقد تكون المرأة أحد محدثي هذا العنف على الأطفال، فهي أيضا نتاج عنف سابق.
بهذا المعنى فنحن نتاج طفولتنا وتجاربها، لذ تجد الأسوياء في هذا العالم قلة، الأسوياء الذين نجوا من طفولتهم، أو الذين انتبهوا مبكرا لحاجتهم للتعامل مع أذى النشأة.
لكن لأن ذلك نادر جدا، فإن العالم أصبح في يد ثلة من المضطربين، وستجد الشخصية السايكوباثية في كل مكان، بدءا من رئيسك في العمل أو زميلك في المهنة إلى شريك حياتك، هذا طبعا إن تجاهلنا أنه قد تظهر علينا بعض سمات الشخصية السايكوباثية أو الفصامية.
هذه الشخصية موجودة لكنها أحسنت التداري لسنوات طويلة، ربما لأننا لم نكن نعرف كيف نصفها أو نعرفها، وذلك بسبب محدودية قنوات الاطلاع ومناهج التعليم، وربما لأننا عشنا في حيز اجتماعي ضيق.
أما الآن فقد كشفت وسائل التواصل كل شيء، الحاقدين والساخرين ومدعي العقلانية بل وحتى أكثر الناس حذرا، أولئك الذين يكتفون بوضع الاقتباسات أو الصور المأخوذة من منصات أخرى، غير منتبهين للدال والمدلول.
هي منصات تعرية تكشف المجتمعات لا الأفراد وحدهم، عوار المنظومات الأخلاقية المدعاة، الأكاذيب المتراكمة، والشخصية الفصامية للمجتمعات، وهذا الكشف ليس سيئا، بل السيئ هو الجهل به.
ولأنه من النادر أن تجد شخصا قد نجى من طفولته، فكلما صادفت منشورا أو تعليقا فظا عنيفا، تساءلت عن المقصلة النفسية التي شكلته، عن ذلك المكان المظلم الذي أتى منه، عن كراهية الذات التي تربت وغذيت في ظلمة النفس البشرية.
ربما جعلني هذا الإدراك أكثر تفهما للأذية المجانية في وسائل التواصل، والنصائح الحمقاء التي تأتي من أولئك الذين لم يزدهم علمهم إلا خبالا، لكنه لم يجعلني أكثر تسامحا مع الأماكن المظلمة أو أولئك الذين يعززون هذه المقاصل ليضمنوا إعادة إنتاج أنفسهم في صورة لا نهائية من بشر يمضون بيننا برؤوس مقطوعة.
* بشرى خلفان روائية وكاتبة عمانية
