ميسي ويامال وصورة الطشت!
18 يوليو 2026
18 يوليو 2026
في ديسمبر من عام 2007، التُقطت صورة للنجم الأرجنتيني ليونيل ميسي وهو يمسك برضيع لا يتجاوز عمره بضعة أشهر ويحمّمه في طشت. سنعرف بعد سنين أن ذلك الرضيع لم يكن إلا نجم الكرة الحالي لامين يامال، الذي سيواجه ميسي مساء الأحد في نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وإسبانيا!
يحق للبعض أن يكذّب تلك الصورة، خصوصًا في هذه الفترة المجنونة التي بتنا نشاهد فيها كل يوم صورًا وفيديوهات مولّدة بالذكاء الاصطناعي، يشيب لها الطفل حتى قبل أن يُحمَّم في طشت. لكنها في الواقع صورة حقيقية، وبتأكيد من الموقع الرسمي لنادي برشلونة على شبكة الإنترنت، الذي نشر خبرًا مفاده أن الصورة تعود إلى «فعالية خيرية لعام 2008، تولّت مؤسسة نادي برشلونة إعدادها بالتعاون مع صحيفة سبورت. وشارك فيها عدد من لاعبي النادي، فالتُقطت لهم صور مع أطفال وعائلات في إطار مبادرة تضامنية».
بل وذكر الموقع اسم المصوِّر، جوان مونفورت، الذي لم يتوقع بالتأكيد أن صورته العادية تلك ستكتسب مع مرور الزمن قيمة في تاريخ كرة القدم؛ إذ صار الرضيع أحد أبرز مواهب أكاديمية برشلونة الشهيرة بـ«لا ماسيا»، ولاعبًا في الفريق الأول لبرشلونة والمنتخب الإسباني. ولم يفت الموقعَ أن يضيف تعليقًا ذا مغزى: «كان ليونيل ميسي ساعة التقاط الصورة لا يزال في العشرين من عمره، لكنه كان قد بدأ بالفعل يُظهِر دلائل على أنه لاعب استثنائي بحق. وبالطبع، مضى ميسي بعد ذلك ليصنع مسيرة زاخرة بالإنجازات. ولكن مَن كان يتخيّل أن الطفل الصغير الظاهر في الصورة سيصبح لاعبًا قد يسير إن تحققت الوعود المبكرة لموهبته، على خُطى النجم الأرجنتيني؟».
وهل هناك سيرٌ على خطى ميسي أكثر من أن تواجهه شخصيًّا في نهائي كأس العالم؟! ها قد تحققت الوعود المبكرة إذن، أو لنقل توخّيًا للحذر، بما أن يامال لم يزل في سنوات مسيرته الأولى ولم يتجاوز التاسعة عشرة إلا بأيام قليلة، إن هذه الوعود في طريقها إلى التحقق. بل إن ميسي نفسه، حين سُئل خلال فعالية أُقيمت في ألمانيا في ديسمبر من عام 2024 عن لاعب من الجيل الجديد يذكّره بنفسه في بداياته، اختار لامين يامال. إذن، تكتسب صورة الطشت الأيقونية التي جمعت النجمين دلالات رمزية بليغة؛ ثمة أسطورة في اللعبة بكل معنى الكلمة تنقل موهبتها، مع الماء والصابون ودون أن تدري، إلى موهبة جديدة قد تصير هي الأخرى امتدادًا لها في كرة القدم. وهو ما يذكّر بحكاية الحكيم أسيتا والرضيع سيدهارتا في الموروث البوذي؛ إذ أدرك أسيتا بمجرد رؤية الطفل أنه سيصير بوذا ويهدي الناس إلى طريق الخلاص. فرح الحكيم أولًا، ثم ما لبث أن بكى لأنه كان قد بلغ من العمر عتيّا حينئذ، ويعلم أنه سيموت قبل أن يكبر سيدهارتا ويبدأ تعليم الناس وهدايتهم.
لكن ميسي عاش حتى رأى يامال يُبهر الناس، فلن يبكي إذن، حتى وإن كان قد فعلها بشكل مستغرَب بعد فوز منتخب بلاده على مصر، وكأن أحد الجماهير المصرية الغاضبة تعمّد إسماعه أغنية حزينة لعبدالحليم. مساء الأحد سيلتقي النجمان، الكبير والصغير، المُحَمِّم والمُحَمَّم. سيتراوغان ربما، وسيُتاح لنا مشاهدة الشَعرة الفاصلة بين الخبرة والاندفاع، بين قدمٍ تعرف كل حيل اللعبة، وقدمٍ لا تزال تبتكر حيلها الخاصة. قد يمر يامال من جوار ميسي بلمسة خاطفة، فيتبعه ليونيل بنظرة إعجاب واضحة، ثم يرد عليه بمراوغة هادئة تذكّره أن الذهب لا يصدأ، وأنه لم يَشخْ بعد حتى وإن مشى في الأربعين. قد يتعانقان في نهاية المباراة ويتبادلان قميصيهما، لكنَّ حسرةً ما ستظل واضحة في وجه الخاسر، كبقعة سوداء في دشداشة بيضاء.
لنفترض أن لامين هو الخاسر. لا شك أنه سيحزن كثيرًا، وربما سيبكي. سينظر إلى محمِّمه وهو يُحمَل على الأعناق قائلًا في نفسه بحسرة: لماذا كان عليك أن تكون أنت بالذات من ينتزع الحلم من يدي؟ لقد فزتَ به قبل أربع سنوات، فأصبحتَ ملك اللعبة المتوج؛ ماذا ستضيف لك هذه الكأس الجديدة؟ لا شيء. لا شيء يا أبي. أنا أخاطبك بأبي لأنك قدوتي، وكنتُ مستعدًّا لأتنازل لك عن كل شيء، إلا هذه الليلة المصيرية في حياتي. كنتُ أمنّي النفس أن أتوجه إليك بعد أن أرفع الكأس لأواسيك قائلًا: لا تحزن يا أبي، أنا لستُ إلا امتدادًا لك في الملعب. هل نسيت الطشت؟ لا أريد أن أراك منكسرًا هكذا.
لكن ماذا لو كان الخاسر هو ميسي؟! مؤكّد أن دموعه ستهطل بغزارة. سينظر إلى لامين وهو يرفع الكأس الغالية، ويقول في نفسه بمرارة: لماذا استعجلتَ يا صغيري؟ أنت لم تبلغ العشرين بعد، وأمامك أعوام ومونديالات كثيرة، أما أنا فهذه رقصتي الأخيرة، وهذه الكأس كانت آخر أمنياتي قبل أن أعتزل.
كان يمكنك أن تتركني أودّع اللعبة كما حلمتُ، ثم تأتي غدًا فتأخذ العالَم كله. لن أسامحك الليلة؛ منحتُك سر موهبتي وأنت رضيع، وحين اشتدت قدماك كان أول ما فعلتَه أن أخرجتني بهما من الحكاية. ليتني لم أفعل. لو أني أعلم خاتمتي، ما كنتُ بدأت. ولا حمَّمتُك في الطشت.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
