«الفايكنج» النرويجي.. صناعة الأساطير

15 يوليو 2026
15 يوليو 2026

هل كان المشجع النرويجي (أولي فرويستاد) الذي ابتكر حركة «تجديف الفايكنج» يعرف أنه بهذا الابتكار صنع أسطورة صارت أيقونة على مدرجات المباريات التي خاضها المنتخب النرويجي في بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026م بعد سنة واحدة فقط؟ 

والحركة لم تقتصر على مشجّعي المنتخب النرويجي، الذين صارت لهم، هذه الحركة، هويّة بصريّة تعزّزها القمصان التي يطغى عليها اللون الأحمر المستلهم من علم النرويج الوطني، بل تعدّى ذلك إلى اللاعبين، ففي فيديو ظهر نجم المنتخب (إيرلينج هالاند) واقفا أمام عدد من أفراد المنتخب، وقد افترشوا أرضيّة الملعب، وجلسوا في صفوف متراصّة، فمن طبيعة هذه الحركة أنها تؤدّى ضمن طقس جماعي، وبعد قرع (هالاند) الطبل بالمضرب الذي يحمله، بدأ اللاعبون يحرّكون أذرعهم، وأجسادهم للأمام، والخلف قابضين على الفراغ، ليظهروا للناظرين، وكأنهم يمسكون مجاديف حقيقية، وهذه الحركة، ترتبط بالتراث البحري النرويجي، وتحاكي تجديف البحّارة، عندما كانوا يعتلون متن سفن (الفايكنج) التاريخية الطويلة، وكانت صور تنانين شرسة، تنحت عليها، لزرع الرعب في قلوب الأعداء، فتلك المجاديف بمثابة أرجل التنّين، والشراع أجنحته، كما جاء في السلسلة التاريخيّة (الحقيقة المروّعة عن الفايكنج) لجليان باول الصادر عام 2012 في بريطانيا، وكلمة (الفايكنج) تعني باللغة النوردية القديمة (القرصان)، وكان محاربوهم ينهبون الكنوز من الكنائس، ويعتقلون الكهنة، والرهبان لقتلهم، وبيعهم كعبيد، وتشير المفردة التي ترتبط بالغزو، والقرصنة إلى الشعوب الجرمانية النوردية التي عاشت في مناطق الدول الاسكندنافية (الدنمارك، النرويج، السويد)، فكان البحارة يقطعون المسافات الطويلة في أواخر القرن الثامن وأواخر القرن الحادي عشر الميلادي مستخدمين المجاذيف لدفع السفن البحرية التي كانت تنطلق إلى البلدان الأخرى للتبادل التجاري، والصيد، والغزو، وخلال ذلك، قطعوا مسافات شاسعة واتّجهوا شرقا إلى روسيا، وجنوبا حتى وصلوا الدول العربية، بل يُقال بأنهم بلغوا بغداد، وتاجروا بالأخشاب، والحديد، والعاج، وجلود الحيوانات، وعبروا المحيطات وسط الأمواج الهائجة، فالبحر مخيف وقد رمز في الأساطير النرويجية القديمة للأهوال والمصاعب كما في أسطورة وحش البحر النرويجي (كراكين) الذي يُعدُّ من أضخم المخلوقات البحرية ويبدو كأخطبوط عملاق بعينين كبيرتين، ومخالب تُمكّنه من التقاط المراكب، والسفن التي تسقط في براثنه، وتوسّع مصطلح (الفايكنج)، وشمل المزارعين، والحرفيين، وليس فقط المحاربين الأوائل الذين كانوا وثنيين يعبدون (أودين) إله الحرب، ويصوّرونه، وهو يمتطي حصانا بثماني أرجل، وله عين واحدة؛ لأنه ضحّى بالثانية مقابل شربة من بئر الحكمة، ولديه غرابان : (هوجين) وهو (الفكر)، ومونين (الذاكرة)، وكانا يطيران حول العالم، ويعودان إليه ليقصّا ما شاهداه برحلتهما، وكان ثور ابنه يرمز للقوة جالبا الحظ السعيد، وحسب معتقداتهم، فقد حمى البشرية من العمالقة، كما تشير الكاتبة البريطانية جليان باول، وكان التجديف الوسيلة الوحيدة التي تجعل المبحرين يصلون إلى مبتغاهم في مكان تحيط به المياه من عدّة جوانب، فبحر الشمال يحدُّ النرويج الواقعة شمال أوروبا من الجنوب والجنوب الغربي، وبحر النرويج، والمحيط الأطلسي من الغرب وبحر بارنتس من الشمال، وحدودها البرّيّة كلّها في جهة الشرق حيث تقع السويد، وفنلندا، وروسيا، فهي تعيش عزلة جغرافية يضاف إلى ذلك ضعف الحياة الاجتماعية، فشتاء النرويج طويل، وبارد والشمس تغيب عن البلاد لشهور، وخصوصا في المناطق الشمالية، وهذا خلق نوعا من الانغلاق الاجتماعي؛ فالشوارع خالية على الدوام حتى في ذروة ساعات النشاط اليومي، وسقوط الأمطار الشديدة بشكل مستمر الشمس تشرق في 10 صباحا تغرب في 2 ظهرا ونصف، وتظهر على هيئة نور شاحب، كل هذه العوامل جعلت الضرورة تبرز لتعزيز النشاط الاجتماعي بحركة جماعية تستحضر التراث، والبحث في المشتركات وتعزيز التعاون وروح الفريق الواحد والانتظام مع الفريق ومراعاة الانضباط، والإيقاع المنتظم فالجميع يؤدي حركة واحدة ويقول لزملائه: «جدّفْ جدّفْ» لإعلاء قيمة العمل الجماعي وإحياء الهوية، وهي اليوم صارت طقسا تشجيعيا، فالكل على متن سفينة واحدة، ويد واحدة، وهدف واحد. 

وإذا كان (الفايكنج) اسمًا يُطلق على الرجال الذين يحقّقون مكانة رفيعة بامتلاك الأسلحة كونهم محاربين، دون النساء والأطفال؛ فاليوم نرى الجميع يشارك في هذه الحركة بتناغم جميل، يثير المرح، والحماس في نفوس المشاركين، فحركة (تجديف الفايكنج) تحوّلت من تفصيل شفاهي بقي قرونا في ذاكرة النرويجيين، لأن (الفايكنج) لم يتركوا تاريخا مكتوبا، فلم يكن الجميع يجيد الكتابة، إلى هويّة جامعة لهم، هذه الهوية كفيلة بتحفيز الروح الجماعيّة، ورصّ الصفوف، وكلّ أمّة تمتلك سمة تميّزها عن الأمم الأخرى، ولو دقّق الجميع في موروثاته سيجدها، كما وجدها مشجّع نرويجي لم يعرف أنه صنع بهذه الحركة العفوية التي تحمل في طيّاتها الكثير من المرح، والجمال، أسطورة وطنية. 

عبدالرزّاق الربيعي شاعر وكاتب عماني