الكتابةُ بمِشرَط الجرَّاح
18 يوليو 2026
18 يوليو 2026
حين كانت حرب الإبادة على غزة في ذروة وحشيتها أواخر العام 2023، وجدتني بحاجة إلى قراءة ما يعينني على الاقتراب أكثر من عمق المأساة وملمسها قدر ما أستطيع، قدر ما في المخيلة من إمكان. بالمعنى الحرفي، كنت أحاول «تجنيد» مخيلتي لاختراق «تحصينات» الصورة القادمة من هناك كأنها بريد الضحايا الأخير وتراثهم الباقي.
وعلى صعيد القراءة والكتابة، فما كان بوسعي الانشغال بموضوع آخر، ربما خشيةَ أن تكون القراءة والكتابة في موضوع لا تنبعث منه رائحة الدم هي ضرب من الخيانة للفلسطينيين.
لكن الذهاب إلى/ في الصورة (الرقمية) يتطلب اختراق سواتر واقعية وافتراضية تحول دونها، وعلى اللغة أن تعين، فتلك مهمتها منذ الأزل.
وفي 17 من أكتوبر، حين بُثَّت المشاهد المريعة من مستشفى المعمداني، تذكرتُ على الفور ما كتبه روبرت فيسك عن مجزرة مخيمي صبرا وشتيلا في لبنان عام 1982، فهالني كم يبدو قتل الفلسطينيين متشابهًا أنى كانوا!
كنتُ في أمس الحاجة لأستبصر على وجه الدقة ما تعنيه كلمة شائعة في نشرات الأخبار مثل كلمة «مجزرة». ماذا نعرف في الواقع عما يعنيه وقوع مجزرة في مكان ما؟ لا تصف وسائل الإعلام المجازر سوى أنها قتلٌ جزيل في وقت قليل، وقد تكتفي بأرقام الضحايا عوضًا عن الوصف.
عدتُ لأقرأ كتاب روبرت فيسك «ويلات وطن: صراعات الشرق الأوسط وحرب لبنان»، الكتاب الذي لا يسعني أن أقول عنه في هذا المقام سوى قول موجز: لقد أسعف خيالي القاصر. فقد كان ذلك النثر المكتوب بمشرط الجرّاح، كما يروق لي وصفه، دليلي لاستبصار ما حدث ويحدث طيلة السنوات الثلاث الأخيرة، سواءً في جنوب لبنان أو في ذلك المكان البعيد، في تلك القطعة النائية المقطوعة من الغذاء والماء والكهرباء والدواء، منذُ أن سمعنا بمكان اسمه «قطاع غزة» في نشرات الأخبار قبل عشرين سنة.
استوحى روبرت فيسك «الويل» في عنوان كتابه من الاقتباس الشهير عن جبران خليل جبران الذي يتوعد فيه بالويل لأمة «تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين. ولأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر... والويل لأمة تحسب المستبد بطلًا، وترى الفاتح المذل رحيمًا... والويلٌ لأمة مقسمة إلى أجزاء، وكل جزء فيها يحسب نفسه أمة».
ورغم ويلات شعبه ومن لاذوا به فقد أحبَّ روبرت فيسك لبنان بصدق. وأزعم أنه حمل في داخله تجاه اللبنانيين شعورًا أبعد ما يكون عن الشفقة. أزعم أنه كان معجبًا بهم، لأن اللبنانيين «شعب شديد التأمل في ذاته» كما يتذكرهم في أحد مقالاته المتأخرة على صحيفة الإندبندنت.
لكنه لم يتوقف يومًا عن التساؤل: كيف لجماعة موهوبة ومتعلمة ومبدعة، كما كان يصفها، أن تقترف كل تلك الفظائع في تاريخها؟
ومن فرط تعلقه بيروت وتردده الدائم عليها فإن أرملته الجميلة، نيلوفر بذيرا، الصحفية والمخرجة الكندية ذات الأصول الأفغانية، قالت ذات مرة إنها لا تتذكر شعورًا بالغيرة من امرأة تنافسها طيلة علاقتها بزوجها، فقد كانت تغار عليه طوال الوقت من مدينة اسمها بيروت، المدينة التي لا يغادرها إلا ليعود إليها.
كثيرًا ما كان روبرت فيسك ينتقد، بغضب وسخرية في الآن نفسه، ممن وصفهم بـ«صحفيي الفنادق» الذين يتسقَّطون أخبار المعارك دون أن يغادروا حانة الفندق الذي ينزلون به، فضلًا عن جهلهم بلغة البلد وتاريخه السياسي. فهل كان روبرت فيسك نفسه، بخلاف من ينتقدهم، مجيدًا للعربية بعد كل تلك السنوات التي قضَّاها في تغطية أحداث سوريا ولبنان وفلسطين، ولاحقًا حرب الخليج والغزو الأمريكي للعراق؟ هذا سؤال يفتح باب الشك.
تؤكد زوجته أنه كان يحب العربية ويتقنها، ربما ليس بطلاقة زميله إدورد كودي الأقل شهرةً منه، لكنه كان يتقنها. غير أن لآسر خطَّاب، الصحفي السوري المقيم في فرنسا، رأي آخر في هذا الشأن عبر عنه في مقال نُشر على موقع «رصيف 22» بعنوان «روبرت فيسك الذي مات مرّتين» وفيه يحكي عن لقائه بالصحفي الشهير الذي لطالما كان قدوة لطلاب الصحافة، قبل أن يباغتهم بموقفه من الثورة السورية.
فعن قصة إجادة الصحفي الإنجليزي المخضرم للعربية، يحكي الصحفي السوري أنه حضر مع روبرت فيسك لقاءً عابرًا جمع مفتي حمص المؤيد للنظام بشيخ معارض، لقاءً تبادل فيه الرجلان الحديث لثوان معدودة، وقد فوجئ خطّاب بعدها بأن روبرت فيسك يلتفت نحوه ليسأله: «ماذا قالا؟». ولكن هل يصح مشهد خاطف كهذا حجةً على أن الرجل الذي قضى نحو نصف عمر في الشرق الأوسط لا يعرف العربية؟ يؤكد صاحب المقالة المذكورة أن إجادة فيسك للعربية «شبه معدومة»، مذكرًا بزلته الشهيرة «حين تحدث في إحدى مقالاته عن النصف الأول من شعار حزب البعث العربي الاشتراكي «أمّةٌ عربيةٌ واحدة»، ظانّاً أنه «أم العربية واحدة» وترجمه إلى ما يعني «أمُّ أمّةٍ عربية واحدة»!
وكذا فإن ذكر الثورة السورية لا يترك الثناء على روبرت فيسك يمر دون منغصات، فموقفه الذي اعتبر في كثير من اللحظات متساوقًا مع سردية النظام يغدو مصدر حرج وإرباك لمن يود أن يعترف على الملأ بإعجابه بكتابة روبرت فيسك.
عُرف روبرت فيسك بنثره الصحفي الهائم في لغة الأدب. فهل أبالغ لو قلتُ إن روبرت «مصاب» بالتخييل وهو يكتب قصصه الصحفية؟ لا أعجب لو أن أحدًا اتهمه بأنه سنَّ لصحفيين المستجدين سنةً خطيرة تغري بمزج لغة الوصف الصحفي المتقشف بلغة الأدب، وهي مغامرة خطيرة بالفعل لو اقتحمها صحفي مقلّد من باب الاستعراض والتزويق.
مهما شعر القارئ أحيانًا بشيء من المبالغة أو جنوح الاستعارة لدى فيسك إلا أنه لا يملك إلا يتواطأ مستسلمًا لبراعة الوصف. لكن وليد جنبلاط الذي جمعته صداقة قديمة بمراسل التايمز الأشهر، كان أكثر صراحةً حين طرح عليه أحمد منصور سؤالًا مستشهدًا بما رواه فيسك، فقال جنبلاط: «روبرت... أعرفه، إنه يبالغ». فهل كان روبرت يبالغ أيضًا حين وصف وليد جنبلاط في أحد مقالاته بأن «المثقف الكبير والوحيد بين سياسي لبنان»؟! لا أحسب ذلك.
يتشارك الصديقان، فيسك وجنبلاط، ولعًا خاصًا بالتاريخ. ذلك الولع بالتاريخ والمتاحف وآثار المعارك هو أكثر ما يدين به روبرت فيسك لوالده رغم أن علاقته به كانت سيئة في معظم الأحيان، فقد رأى الابن في أبيه رمزًا للسلطة التي ظل يكرهها ولا يثق بها.
كان والده أحد المحاربين القدامى في الحرب العالمية الأولى، وكان يأخذه في زيارات سنوية إلى ميادين المعارك ومقابر الجنود. ومن عبارة كُتبت على أحد نياشينه العسكرية، أخذ روبرت فيسك عنوان كتابه الأهم «الحرب العظمى من أجل الحضارة» والمهدى لذكرى والده الذي حببه في الكتب والتاريخ. وقد بات هذا الكتاب دليلًا للصحفيين الغربيين الجدد على المنطقة.
لا تقلل مكانة هذا الصحفي الموقر صورته التي نشرتها صحيفة الإندبندنت البريطانية بعد أقل من ثلاثة أشهر على أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي يظهر فيها وهو مدمَّى الرأس بعد أن أحاط به نفر من الناس في إقليم بلوشستان، على مقربة من الحدود الأفغانية، حيث ظلوا يرجمونه بالحجارة حتى أنقذه شخص غريب.
بعد تلك الحادثة المؤلمة، أدلى روبرت فيسك بتعليق لم يعجب الكثير من رفاقه، قائلًا: «لو كنتُ لاجئًا أفغانيًا... لفعلت الشيء نفسه بروبرت فيسك، أو بأي غربي آخر أجده». وكانت صورته تلك بليغةً لاختصار سيرة مراسل حربي مثله حين شيعته الصحيفة بها يوم رحليه في 30 أكتوبر 2020.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني
