«كل ما ليس جميلا داعر»
04 يناير 2026
04 يناير 2026
؟، ؟، 1991؟، 1992؟ لاهويا، كاليفورنيا
قضيت ساعات ما بعد الظهر الضَّجرة والمتبرِّمة متسكِّعًا، مُتَبَطِّلًا، على شاطئ العراة (Black’s Beach). أصابني ذلك «الجسد الجماعي» المتوافر جدًا والمُتاح للنَّظر من غير شروط أو حدود بغير قليل من الخجل والتَّقزُّز حتى من فكرة الجسد نفسها، ولم أتمكن من العثور على ضالَّتي في الظَّن بإمكانيَّة العودة إلى الغابة وما قبل التَّاريخ. رأيت نفسي مخلوقًا ناتئًا وغريبًا حطَّت به الأوهام هنا بطريق الخطأ عوضًا عن الهبوط الذي كان مقررًا، في الرَّغبة والأصل، على شاطئ سحيق جدًا حيث تتشكل الهيولى، وتبدأ الكائنات المنبثقة من الماء في الزحف على الشاطئ. وكل ذلك كان أكثر ما يكون بعدًا من هذا.
هنا، الرجال والنساء العراة الذين انخرطوا في مباراة كرة طائرة كانوا في صورة فاضحة ومفضوحة. الأخريات والآخرون كانوا على ذلك الشاطئ لأغراض أدائيَّة (performative) واستعرائيَّة/ إظهاريَّة (exhibitionistic) خارجانيَّة (exterioristic) ومجانيَّة (gratuitous) فحسب. وقد كنت سأحترم ذلك أكثر لو كان ضمن عرض مسرحي أو أوبرالي. كيف يمكن لي أن أنسى، مثلًا، الفتيات وهن ينبثقن من الدخان الأبيض في أوبرا موتزات «دون جوفاني» بتوقيع بيتر سِلرز في أحد مسارح مدينة نيويورك قبل سنوات؟ (يقال إن صديقة سِلرز الحميمة لم تظفر منه بغير قبلة واحدة سريعة على الخد بعد شهور طويلة من العشرة، هذا الذي أخرج «دون جوفاني»)! وذلك كله لا علاقة له البتَّة بأدنى اعتبارات يمكن وصفها بـ«الثَّوريَّة» فيما يخص الجسد أو احتمال العودة به إلى أي مكان خارج الرُّخص، والتَّفاهة، والتَّسليع، والتَّسطيح، والاستهلاك، في الثَّقافة الغربيَّة المعاصرة.
أما «أنصار الطَّبيعة» (naturists) الذين يتواجدون أيضًا على ذلك الشاطئ بشعاراتهم، فكيف يمكن أن يثق المرء في «طبيعيَّتهم» المزعومة وقد أتوا إلى «الطبيعة» وهم مصطحبين في حقائبهم أكثر ما يخدش حياء الطبيعة: عِلب من جِعَة «بدوايزر» (Budweiser) التي هي أكبر إهانة تدبَّرت أمريكا أمرها في توجيهها إلى فكرة الخمرة منذ حانة سيدوري في «ملحمة جلجامش» ولغاية الآن؟
رجل وامرأة انتبذا رقعة قصيَّة نسبيًّا من الشاطئ (كانا أقرب إلى الجبل من الشاطئ) لكني رأيتهما بعينين مخدوشتين وهما تقريبًا على وشك لحظة حميمة، فشعرت، بسذاجتي «المجزيَّة الصغرى» المعهودة، بالسخط على كل ثقافة وحضارة تحرم الناس من بيوت كريمة، وحياة مستورة، بينما تتيح شطآنًا للعراة.
كان الجميع غير منخرطين في عريهم، بل في لفت الانتباه إلى أجسادهم المكشوفة. وكان جون بِرجر في كتابه الصَّغير والثري «طُرُقٌ للرؤية» قد ميَّز، في سياق مختلف قليلًا، «العري» بإحالتين مختلفتين لما يبدو للوهلة الأولى أنه حالة واحدة، ولا يُفرِّق بينهما المعجم الإنجليزي القياسي في مفردتي: «nakedness» و«nudity».
يشبه الأمر إلى حد بعيد أندية الملحدين الأمريكان، الذين هم من البورجوازيين، بل و«الكومبرادور»، المحافظين وأعضاء اليمين المتطرف، وإلحادهم نوع من الترف والتَّجشوء، أو الإتيان بشيء يميِّزهم باعتباره من «منجزات» ضحالتهم وخوائهم، فحسب. حتى الإلحاد صار من استعراضات السُّلطة، والفراغ، وسفه المال في هذه البلاد التي كل شيء فيها مُحَرَّف وزائف.
كان غرضي من المجيء إلى شاطئ العراة مشاهدة نسخة من «الإنسان البدائي» وأنا أعيش في نهايات القرن العشرين المُعَلَّب في كل شيء، حيث يكثر الحديث عن أشياء بعضها لا يقنعني كثيرًا (أو أنني لا أستطيع أن أفهمه كما ينبغي) من قبيل «ما بعد الحداثة» في لغط الجامعات الرَّاقية وثرثرة الكتب النَّفيسة. لكنني لم أرَ أسلافي، لم أرَ «الإنسان البدائي»، ولم ألمح الحنين وانسكابات الجذور على شاطئ العراة.
وكنت قد وقفتُ في مصدرٍ لا أتذكره من الأدبيَّات اليساريَّة على أن الشيوعيين (حتى في المرحلة الاشتراكيَّة الجِسريَّة والانتقاليَّة)، في سعيهم لتحقيق «مشاعيَّة» كل شيء، بما في ذلك الجسد والمِنجَبين المُنْجَبين، حاولوا تطبيق تجارب على البشر (وليس الفئران) في مخيمات (أو معسكرات) في ألمانيا الشَّرقية. وحسب ذلك المصدر فإن التجربة قد فشلت (أكَّد لي -شفاهة- مصدر أكاديمي عربي/ ألماني أن المفكر اليساري العربي الكبير [...] قد شارك في تلك التجربة. وهذا لا يقلل ولا يزيد من احترامي لذلك العقل الهائل الذي تعلَّمتُ من مؤلفاته الكثير). لكن، في ذات الوقت، كان جهاز «شتازي» (المخابرات) الألماني الشَّرقي الرَّهيب يتغوَّل في أحاديث، ورسائل، ومكالمات، وأفكار الناس؛ بل وفي غرف نومهم التي لم تكن «مشاعيَّة» على الإطلاق، اللهم إلا إذا استثنينا كاميرات التجسس المزروعة احترافيًّا في زوايا تتيح لها تسجيل كل ما يدور على الأسرَّة.
في أية حال، صار عليَّ مواجهة نفسي بجرأة وصراحة، والاعتراف بأني شخص «رجعي»، و«محافظ»، و«تقليدي»، و«متخلِّف»، ومجرد «بورجوازي صغير» فيما يخص هذا الجانب من «التَّحرر» (إن كان كذلك)، وقادم من مجز الصُّغرى أولًا وأخيرًا، وسيبقى فيّ منها الكثير دومًا.
أظن أن الرجال والنساء ضحايا وضع معين عرَّفته وشرحته الماركسيَّة الكلاسيكيَّة، وتيَّار الماركسيَّة الجديدة لاحقًا، بصورة بالغة بليغة فيما يخص استغلال الجسد واستعباده في جهنميَّة الإنتاج في إطار طبقيٍّ ظالم وغير إنساني. وفي ذلك لا يصعب الفهم بأن الجسد مُغَرَّبٌ ومغتَرِبٌ ضمن تلك الفضاءات.
لكن، وبالمقدار نفسه، ينبغي عدم الاستحواذ على الجسد، في التفكير الثوري، باعتباره أداة إنتاج طبقيَّة فحسب؛ بل أيضًا باعتباره سِرًّا خاصًّا جدًا. غير أن الكارثة هي أن الشيوعيين (الذين أعرفهم، في الأقل) لا يقيمون وزنًا كبيرًا للغموض (mystery)، والذَّاتية، والفردانيَّة (التي «لها قدس الأقداس» كما يرى كِركَجارد)، في تجربة الوجود؛ فهناك أشياء لا يريد الماركسيون أن يفكروا فيها، كما يقول بازوليني (الشيوعي كثيرًا في فترة انتمائه الحاد، والكثيف، والقصير إلى الحزب الشيوعي الإيطالي)، مضيفًا -أي بازوليني- «إن نزعتي هي أن أرى شيئًا ما مقدَّسًا، وأسطوريًّا، وملحميًّا في كل شيء». وبما إني أنتمي بطبيعتي الشخصيَّة إلى هذا الرأي فسأضيف أني لم أرَ أي شيء «مقدَّسًا، وأسطوريًّا، وملحميًّا» في كل من كانوا على شاطئ العراة، ولا حتى، بسبب من ذلك، في البحر نفسه.
وإلى هذا فإني لا أجادل في حقيقة أن وعينا ولاوعينا قد تشكَّلا عبر القرون من خلال منظور طبقيٍّ صارخ وشنيع الممارسة. وفي هذا الوقت العصيب من التاريخ الذي تتعرض فيه الماركسيَّة لخناجر وأنياب كل من هبَّ ودب فإنني أبرأ بنفسي من أولئك الذين قَصَدَهم المثل الشعبي: «لي طاح الجَمَل كثرت سكاكينه»؛ إذ أني أعتقد أن التاريخ البشري كله لم يشهد نظرية أكثر ثوريَّة، وأكثر أخلاقيَّة، وأكثر إنسانيَّة من الماركسيَّة، بكل ما شابها في النظريَّة والتطبيق (وكان سارتر، رغم نقده لجوانب من الماركسيَّة، قد أكَّد على استحالة تجاوز ماركس).
بيد أن الأمر أكثر تعقيدًا من محض حضور الجسد في المعادلات الاقتصادية التي تأسست وتمأسست منذ البداية. يبقى الجسد، بالنسبة لي في الأقل، وحتى في أقسى وأقصى المعطيات السوسيو-اقتصاديَّة، شيئًا شخصيًّا جدًا، وخاصًّا جدًا، وسرِّيًّا جدًا، وأغلى وأثمن الهدايا المُقدَّمة من شخص واحد فقط إلى شخص واحد فحسب، ولا ينبغي أن يُزجَّ به في منطق المصانع التعاونية ومناطق المزارع الجماعيَّة التي ستصبح، بالتزامن تقريبًا، معسكرات «الجولاج» السَّيبيريَّة الرهيبة في الحقبة الستالينيَّة؛ فالغريزة البدائيَّة والحيوانيَّة تعمل بأفضل مما تعمل خارج ذلك. يكفي الجسد ما أصابه من إذلال، وتطويع، وقهر، واستغلال في الرأسماليَّة خاصة، وما حاق به في بنود ترغيبيَّة أو ترهيبيَّة في الأجندات الانتخابيَّة المتنافسة عبر التاريخ.
غادرت شاطئ العراة من غير أسف، وقدت سيَّارتي إلى منتبذ ليلي صاخب وخافت الإضاءة. وبعد حوالي ثلاث أو أربع ساعات من وجودي هناك كان في وسعي أن أغمض عيني لأرى سَنايْ نصف مغطاة بملاءة بيضاء في غرفة النوم في شقتي الصغيرة الموصدة بأربعة جدران، وباب مغلق، ونافذة مغطاة بستارتها الدَّاكنة الثقيلة، ومضاءة بشموع يتضوَّع نورها الباهت في غلالة من أدخنة وعطور يابانيَّة زكيَّة.
و«في العُري، كل ما ليس جميلًا داعرٌ» (روبير بريسون).
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
